عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنِ أَخِيهِ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَقَالَ: لَعَلَّك حَرَقْت حَرْثًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَعَلَّك غَرَّقْت نَخْلًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَعَلَّك قَتَلْت صَبِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِتَكُنْ غَزْوَتُك كَفَافًا. وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا مَحْضًا، فَلَمْ يَجُزْ كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا حَالَةَ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ قَتْلَ بَهَائِمِهِمْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْأَرْجَحَ وُجُوبُ حَرْقِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَ قَتْلِهَا إنْ اسْتَحَلُّوا أَكْلَ الْمَيْتَةِ فِي دِينِهِمْ، وَقِيلَ: إنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهَا قَبْلَ فَسَادِهَا، وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ وَإِضْعَافًا لِقُوَّتِهِمْ، فَأَشْبَهَ قَتْلَهَا حَالَ قِتَالِهِمْ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا، وَلِقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلَا شَاةً إلَّا لِمَاكَلَةٍ. وَلِأَنَّهُ إفْسَادٌ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} . وَيَجُوزُ عَقْرُ الْحَيَوَانَاتِ لِلْأَكْلِ إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ، فَمَالُ الْكَافِرِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ نَظَرْنَا: فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ كَالدَّجَاجِ، وَالْحَمَامِ، وَسَائِرِ الطَّيْرِ، وَالصَّيْدِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ، لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ، وَتَقِلُّ قِيمَتُهُ، فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ إلَّا لِلْأَكْلِ.
36 -وَفِي تَغْرِيقِ النَّحْلِ وَتَحْرِيقِهِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْرِيقُ النَّحْلِ وَتَحْرِيقُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلَا تُحَرِّقْ