قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَاخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ، وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ (أَيْ ظَاهِرٌ قَرِيبٌ) كُرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مَحْضٌ.
ز - إتْلَافُ الْأَمْوَالِ: [1]
35 -إذَا اسْتَعَدَّ الْكُفَّارُ أَوْ تَحَصَّنُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّنَا نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَنُحَارِبُهُمْ لِنَظْفَرَ بِهِمْ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الظَّفَرُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ لِأَمْوَالِهِمْ فَيُكْرَهُ فِعْلُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ ذَلِكَ بِدُونِ إتْلَافٍ، وَأَنَّهُ يَصِيرُ لَنَا لَا نُتْلِفُهُ. وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، فَإِنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدَهَا: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَكُونُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ ; لِيَنْتَهُوا، فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. الثَّانِيَ: مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعَلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَاكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، فَهَذَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثَ: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَفْعَ سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ} ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} . وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. لِمَا رُوِيَ
(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 5613)