دُورِ الْمَدِينَةِ - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي يَوْمٍ أَوْ غَدِهِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه: لَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ يَنْهَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ذَلِكَ اخْتِيَارًا ; لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَيْضًا مُبَاحٌ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَقْطَعْ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا نَخْلَ خَيْبَرَ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
925 -مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ عَقْرُ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانِهِمْ أَلْبَتَّةَ لَا إبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، وَلَا خَيْلٍ، وَلَا دَجَاجٍ، وَلَا حَمَامٍ، وَلَا أَوَزًّ، وَلَا بِرَكٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا لِلْأَكْلِ فَقَطْ، حَاشَا الْخَنَازِيرَ جُمْلَةً فَتُعْقَرُ، وَحَاشَا الْخَيْلَ فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ، أَوْ لَمْ يَاخُذُوهَا أَدْرَكَهَا الْعَدُوُّ وَلَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِهَا، أَوْ لَمْ يُدْرِكُوهَا وَيُخَلَّى كُلُّ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى مَنْعِهِ، وَلَا عَلَى سَوْقِهِ، وَلَا يُعْقَرُ شَيْءٌ مِنْ نَحْلِهِمْ، وَلَا يُغَرَّقُ، وَلَا تُحَرَّقُ خَلَايَاهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَعَتْ دَابَّتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ عَقْرُهَا لَكِنْ يَدَعُهَا كَمَا هِيَ وَهِيَ لَهُ أَبَدًا مَالٌ مِنْ مَالِهِ كَمَا كَانَتْ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا حُكْمٌ بِلَا نَصٍّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: يُعْقَرُ كُلُّ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، فَتُعْقَرُ، ثُمَّ تُحْرَقُ، وَأَمَّا الْخَيْلُ، وَالْبِغَالُ، وَالْحَمِيرُ فَتُعْقَرُ فَقَطْ. وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: أَمَّا الْبِغَالُ، وَالْحَمِيرُ، فَتُذْبَحُ، وَأَمَّا الْخَيْلُ فَلَا تُذْبَحُ، وَلَا تُعْقَرُ، لَكِنْ تُعَرْقَبُ، أَوْ تُشَقُّ أَجْوَافُهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ التَّخْلِيطِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ عَلَى ذِي فَهْمٍ، أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَتَفْرِيقٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ رُبَّمَا أَكَلُوا الْإِبِلَ، وَالْبَقَرَ، وَالْغَنَمَ، وَالْخَيْلَ إذَا وَجَدُوهَا مَنْحُورَةً فَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ أَدْخَلَ فِي التَّخْلِيطِ مِنْ الْقَوْلَةِ الْمُحْتَجِّ لَهَا. وَلَيْتَ شِعْرِي مَتَى كَانَتْ النَّصَارَى، أَوْ الْمَجُوسُ، أَوْ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ يَتَجَنَّبُونَ أَكْلَ حِمَارٍ، أَوْ بَغْلٍ، وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى أَكْلِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَيْلِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَاكُلُونَ الْمَيْتَةَ، وَلَا يُحَرِّمُونَ حَيَوَانًا أَصْلًا