فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 2524

عليه بعد ما طال العهد بالناس منذ آخر شريعة نزلت عليهم، فحرّفوها، ونسوها، وأهملوا العمل بها، فأرسل الله نبيّه ليجدد ما تنوسى، ويعدّل ما حرّف. وما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل مدين ليعلم بما حدث لموسى مع شيخها الكبير شعيب، ومع وابنتيه، فيخبر به أهل مكة، ولكنه كان نبيا مرسلا، أوحى له الله تعالى بما أوحى من ذلك القصص ليتلوه عليهم، لعلهم يهتدون، فما اهتدوا، وسألوه تعنّتا وعنادا أن تكون له مثل حجج موسى، ونسوا أن أمثالهم كفروا من قبل بحجج موسى، ووصفوا موسى وهارون بأنهما ساحران تظاهرا، وها هم يصفون محمدا بأنه ساحر، وما نزل محمد بسحر ولا بمعجزات كمعجزات موسى، وإنما معجزته القرآن كمعجزة موسى التوراة لو لم تحرّف، ويصفهما الله تعالى بأنهما لا كتاب أهدى منهما، فهما المعجزتان حقا - التوراة والقرآن، ولا شيء مثلهما، تعجيزا منه تعالى لكفّار مكة. والقرآن يصل التوراة. ولكي نعرف المحرّف من غير المحرّف في التوراة علينا أن نميّز بين ما كان دعوة لتمجيد الله، وما كان دعوة لتمجيد بني إسرائيل، وكل تمجيد لبني إسرائيل في التوراة فهو مزيف منحول. ومن أهل الكتاب من يعلم أن آيات التوراة حرّفت، وأن حقيقة هذه الآيات هي التي وردت بمعانيها آيات القرآن، وأنهم - أي أتباع موسى - كانوا مسلمين لذلك قبل الإسلام، فمن أسلم من أهل الكتاب - واليهود خاصة - بعد الإسلام، لهم أجران، لأنهم مرة آمنوا بكتابهم، ومرة آمنوا بالقرآن، ولأنهم صبروا، ويدرءون بالحسنة السيئة، وينفقون مما رزقوا، ويعرضون عن اللغو، ويقولون لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم، لا نبتغى الجاهلين، وسلامهم سلام متاركة، لا يريدون به التحية، وإنما المباعدة، ولا يبتغون به أن يصاحبوهم ولا أن يخالطوهم. ثم تتوالى الآيات في الردّ على المكابرين، كقولهم للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: لماذا لا تهدى من أحببت مثل عمك أبى طالب؟ وكان الردّ من القرآن: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (56) ، يعني: هو أعلم بمن لديه الاستعداد للهداية فيهديه. وقالوا: إن اتبعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، عاداهم العرب، وتمكّنوا منهم وتخطّوهم؟ وكان الردّ من القرآن: أنهم كان عندهم الحرم الآمن وهم كفّار، أفلا يكون آمنا إذا آمنوا؟

وتتعاقب العظات: كم أهلك الله من قرية بطرت معيشتها؛ وما كان الله ليهلكها إلا بعد أن يبعث إليها رسولا يتلو على أهلها آياته؛ وما كان يهلك أهلها إلا وهم ظالمون؛ وأن كل ما يخصّ الدنيا فهو من متاعها؛ وأن ما عند الله هو الباقي، وأن من يعده الله حسنا فهو لاقيه؛ وأن من يتوب ويعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين، والترجّى في القرآن بمنزلة التحقّق، لأنه وعد كريم من ربّ رحيم، ولمّا قالوا: لولا نزّل القرآن على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت