فهرس الكتاب

الصفحة 940 من 2524

الصدام بينه وبين إبراهيم صاحب القصة الثانية بعد قصة موسى. ومعنى اسم إبراهيم أنه أبو الجميع، والذي ينحدر منه كل الموحدين والمؤمنين، وأنه أبو الأنبياء. ولم يكن إبراهيم أول من دعا إلى (رَبَّ الْعالَمِينَ) (77) في بلده، وفي السورة من هذا المعنى أن عبدة الأصنام عادوا إبراهيم، إلا من كان من قومه يعبد ربّ العالمين، فالدعوة إلى الله ووحدانيته كانت في قومه من قبله، وفي تعريفه لله، كان إبراهيم موضوعيا أكثر من موسى، فتعريف موسى كوني، والله عنده إله الكون وخالقه، وأما عند إبراهيم فالله خالقه هو نفسه، وهو يهديه هو نفسه، ويطعمه ويسقيه، ويشفيه من الأمراض، ثم يميته ويحييه، وهو الذي يغفر له يوم الدين، وكأن ملّة إبراهيم أكثر واقعية من ملّة موسى، والله عند إبراهيم في حياته ومن حوله، وفي كل ما يفعل ويقول، ولذلك دعا الدعوة لتناسب عقيدته: أن يهب الله له الحكم، ويلحقه بالصالحين، وأن تجتمع عليه الأمم، وأن يكون من ورثة الجنة، وأن يغفر لأبيه، وأن لا يفضحه على رءوس الأشهاد يوم الدين، وأن يسلم قلبه، وخصّ القلب لأنه إن سلم القلب سلمت الجوارح كلها. وفى قصة نوح نعرف أنه كان أخا لقومه، وأخوته لهم أخوة نسب ومجانسة، لا أخوة دين. ولأول مرة يأتي أن المؤمنين بالنبوة هم (الْأَرْذَلُونَ) (111) ، أي المستضعفون، وهم محترفو المهن الوضيعة في مجتمعهم، وبلغة العصر هم البروليتاريا. وهذه التهمة ستستمر موجهة إلى كل الأنبياء حتى نبيّنا صلى الله عليه وسلم، والأرذلون أو المستضعفون: هم حملة الإيمان، وهم في الصف الأول خلف المفكرين والمصلحين، ولما أراد ماركس مثلا أن يوجه إعلانه للعالمين، وجّهه للعمال، وقال في منشوره: يا عمّال العالم اتّحدوا» ووجّه النبيّ صلى الله عليه وسلم إعلانه للمستضعفين، وكان اسم ربّه تعالى «ربّ العالمين» ، ووجّه الخومينى إعلانه للفقراء، وكذلك جيفارا، وبرودون، وأصحاب المذاهب الاشتراكية والإصلاحية والفلسفية، جميعهم توجّهوا للمستضعفين في الأرض. والصراع بين جند الله وجند الشيطان، يستوجب الصدام بين الأنبياء والمصلحين، وبين أصحاب المصلحة في استبقاء الأوضاع على ما هي عليه من السوء. والسجن والقتل والنفي، والرجم من نصيب الأنبياء والمصلحين، لأن السلطة والحكم في يد من يملكون، وإبراهيم حرّقوه، ونوحا هددوه بالرجم، وكان أول نبيّ يدعو على قومه، فكان الطوفان المشهور وسفينة نوح مضرب الأمثال. ومن حكايات هؤلاء وغيرهم كعاد وثمود ولوط، كانت النصيحة للنبيّ صلى الله عليه وسلم ثم لأمته من بعده: أن لا يدعوا مع الله إلها آخر، وحددت لهم السورة منهج الدعوة: بأن يبدأ الداعى بدعوة الأقربين ومن حوله، وأن يكون لينا في دعوته، فإن عصوه فليتبرّأ منهم ولا شيء أكثر من ذلك، وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت