فهرس الكتاب

الصفحة 915 من 2524

تعريض بقصة الغرانيق التي نسبوها إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي زعمهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قرأ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (20) (النجم) لها، قال: «إن شفاعتهن لترتجى، وإنهن للغرانيق العلا» وهو افتراء محض فذلك لا يجوز على النبيّ وهو المعصوم في التبليغ، وقيل هذا مما ألقاه الشيطان في أمنيته صلى الله عليه وسلم، وأن الآية نزلت في ذلك، والصحيح أن الآية نزلت تخبر أن الأنبياء حين يبلّغون عن ربّهم، أو يتلون وحيا أنزل عليهم، فإنهم لم يعدموا مشاغبين يقولون عليهم ما لم يقولوه، ويحرّفون الكلم عن مواضعه، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجادلونهم حتى يقيض لهم النصر عليهم، فينسخ الله ما يلقى شياطين الإنس من تشبه، ويثبّت الحق، وتلك سنّة الله ليميز الخبيث من الطيب، فيفتن ضعاف القلوب، ويتمحّص الحق عند أهله، وهم الذين أوتوا العلم. ولا يزال الذين كفروا في شك من القرآن حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، وسمّى اليوم عقيما لأنه لا يتلوه يوم آخر، وليس يعقب بعده يوما منه، والملك يومئذ لله وحده لا منازع فيه ولا مدافع، وفيه يفصل بالعدل بين المؤمنين والكافرين، فمن يعاقب إذن فلا يغلو، لأنه تعالى أمر بالعدل، ومن يعاقب فليعاقب بمثل ما عوقب به، والله هو الحق ويحقّ الحق، وما يدعونه هو الباطل، وهو العليّ الكبير، والعالى على كل شيء بقدرته، وعن الأشباه والأنداد؛ والموصوف بالعظمة والجلال؛ وقيل هو الكبير أي ذو الكبرياء، يحيى ويميت، وله ما في السماوات والأرض، ويمسك السماء أن تقع إلا بإذنه، وهو الرءوف الرحيم، وجعل لكل أمة شريعتها ومنهجها ومتعبّدها، وما للظالمين من نصير، وهو تعالى يصطفى الرسل من الملائكة ليتوسّطوا بينه وبين البشر، ويصطفى رسلا من الناس لتبليغ شرائعه للعباد. والآية ردّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر، وأما المؤمنون فليزدادو إيمانا، وليركعوا ويسجدوا ويعبدوا ربّهم، وليفعلوا الخير لعلهم يفلحون، وليجاهدوا في الله حقّ جهاده، بأموالهم وأنفسهم، فهو الذي اجتباهم من بين الأمم لنصرة دينه، وخصّهم بأكمل شرع، وأكرم رسول، ولم يضيّق عليهم، ولا كلّفهم ما لا يطيقون، وجعلهم على الحنيفية السمحاء، ملّة إبراهيم، وسمّاهم المسلمين، وأشهد عليهم بأنه قد بلّغهم، وأشهدهم على الناس أن رسلهم قد بلّغتهم، وإن كانوا قد اختارهم لهذه المهمة الجليلة، فلا أقل من أن يشكروه على هذه النعم: بالصلاة والزكاة، والاعتصام به تعالى، والاستمساك بحبله المتين. فلله الحمد والمنّة، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على الكتاب والسنّة، آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت