فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 2524

المثاني لغة اصطلاحية تدل على حضارة بلاغية أوسع، وثقافة فكرية أعرض. وقسمها بين العبد وربّه، والوعي بهذه القسمة من النبيّ صلى الله عليه وسلم والشرّاح، فيه إدراك كبير من أهل الإسلام لما يمكن أن تصنّف إليه الفاتحة. وفي الحديث عن الله تعالى يجيء: «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله تعالى: حمدنى عبدى؛ وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدى؛ وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: هذا بينى وبين عبدى، فإذا قال العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، قال الله تعالى: هذا لعبدى، ولعبدى ما سأل» .فهذه الحرفية في التكوين والتقسيم والتصنيف في الفاتحة عند المسلمين، تجعل لها عقلانية، وتقيم منها بناء معماريا له سمت وأصول في التكوين، وله غاية يترسّمها المعمار، وهي أشياء تفتقد في فاتحة النصارى، ومن أجل ذلك وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الفاتحة بأنها: أعظم سورة في القرآن، وأنها القرآن الذي آتاه الله، وأطلق عليها اسم الفاتحة، لأنها أولا فاتحة الكتاب، وتفتحه لفظا وخطا، وتفتح بها الصلوات قراءة؛ وهي أم الكتاب، فيبتدأ بها كتابة المصحف؛ وأم القرآن لأنها أوله وفيها كل علومه؛ وهي المثاني لأن المصلّى يثنّى بها في كل ركعة، أو لأنها استثنيت لأمة الإسلام فلم يكن مثلها عند اليهود ولا النصارى. ثم إن لها معزّة خاصة عند المسلمين ليست لفاتحة النصارى عند النصارى، فهي يستشفى بها للمريض، وتستخدم كرقية يرقى بها، وهي مدخل القرآن الذي يؤسسه، وأساسها «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وهي الواقية فلا تختزل، والكافية فتكفى عن سواها. وليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية سور غيرها بذلك، وفي القرآن: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ) (23) (الزمر) فأطلق الله على القرآن أنه مثاني، يعني تثنّى فيه الأخبار، وأطلق على السور السبع الطوال أنها مثاني، لأن ما بها من فرائض وقصص يثنّى. والفاتحة قال بها القرآن: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (87) (الحجر) ، وكما سبق هي سبع آيات، وهي مثاني لأن الله قسمها مناصفة بينه وبين عبده، وهما اثنان. وبديهى أن تكون الفاتحة من القرآن، إلا أن بعض المتنطّعين ذكروا أنها ليست منه، وشأنها في ذلك شأن المعوذتين؟!! .. وكان نزول الفاتحة في مكة، وقيل هي مدنية، وقيل: نصفها مكية ونصفها مدنية، والثابت أنها مكية لأنها من سورة الحجر، والحجر مكية بالإجماع، وكانت مناسبتها فرض الصلاة، والصلاة فرضت بمكة، والفاتحة بدونها لا تكون صلاة. وكان نزولها بعد (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (1) (العلق) ، و (يا أَيُّهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت