فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 2524

«الأنبياء» ، وفيها ذكر «ثمانية عشر» نبيا، هم بحسب ورودهم في السورة: موسى وهارون، وإبراهيم ولوط، وإسحاق ويعقوب، ونوح، وداود وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، وذو النون، وزكريا ويحيى، وعيسى، وتنذر السورة باقتراب الآخرة، وتنبّه إلى غفلة الناس وإعراضهم، واستغراقهم في الملذات، وكلما نزلت عليهم آية من ربّهم لم يستمعوا لها إلا وهم يتشاغلون ويتناجون بينهم بالتكذيب، وقالوا: وهل محمد هذا إلا مثل البشر ومن البشر؟ يأكل الطعام مثلهم، ويمشى في الأسواق كما يفعلون، فلماذا الإنصات له، والاحتفاء بما يقول، وهو لا يتميز عن أهل مكة في شئ؟ وقالوا: كلامه سحر ولا يأتيه إلا شاعر، وهو نفسه ساحر، وقرآنه أخلاط كالهلاوس وأضغاث الأحلام. والردّ على هؤلاء: أنه ما كان من الممكن أن يرسل الله رسولا إلى الناس إلا إذا كان بشرا مثلهم، وحجتهم على ذلك داحضة، لأن من سبقه من أنبياء ما كانوا إلا بشرا رجالا يوحى إليهم، وما كانوا يأكلون إلا طعاما كما يأكل الناس. وقال كفّار مكة مثلما قال النصارى: أن الله اتخذ ولدا، وهم كاذبون فلو كان يريد أن يتخذ ولدا لاتّخذه من أهل السماء، يعني الملائكة، وهو لم يكن له ولد، ولا اتخذ ولدا من الملائكة، ولا كانت له بنات من بينهم، وليس الملائكة إلا عبادا له مكرمين، وهم يسألون الله سبحانه وهو لا يسأل، فكيف يكونون له شركاء وهو الذي تشير كل الدلائل في السماء والأرض على أنه واحد لا شريك له، وله البقاء والخلود وحده، وهم جميعا ميّتون، ولسوف يموت محمد، فلماذا الاستهزاء به وتعييره بأنه سيموت؟ ومن قبله استهزئ بالأنبياء وجرى عليهم الموت، وما كان محمد إلا مثلهم فليس عجيبا أن استهزءوا به؟ ثم تقص السورة قصصا عن بعض الأنبياء، وبعض القصص يطول وبعضها يقصر، ومن هؤلاء: موسى وهارون، وكيف آتاهما الله الفرقان ضياء وذكرا للمتقين، ومثله القرآن تنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم. وفرقان موسى هو التوراة، وسمى الفرقان لأنه يفرق بين الحرام والحلال. ومن قبل موسى وهارون كان إبراهيم، وتتحدث السورة عنه بإسهاب، وتعرض لبراهينه وحججه في أسلوب فيه نصاعة البيان. ولم يكن إبراهيم عند ما بدأت قصته على العيان إلا فتى، ولكنه لم يكن غريرا، فقد آتاه الله رشده قبل الأوان، يعني أنضجه فكريا، وأعطاه عمرا عقليا يسبق عمره الزمنى، كقوله تعالى في يحيى: (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (12) (مريم) ، والحكم هو الرشد، وإبراهيم كان أبرز ما فيه قدراته على الاستدلال والنظر، فعلم عجز آلهة قومه، ودعاهم لنبذها، ولم يكتف بالمحاجاة باللسان، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فكسر الأصنام التي يعبدونها، ووطّن نفسه منذ البداية على مواجهة المكاره وهو يذبّ عن عقيدته، ويعلن عن إيمانه بالله، وحاكموه فكانت «محاكمته أول محاكمة في التاريخ من نوع محاكمات محاكم التفتيش» ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت