فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 2524

نجران يستدل بإحياء عيسى للموتى بأنه الله، فأنزل الله الخطاب على النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (26) ، إخبارا له ولأمة الإسلام: بأنه تعالى المنفرد بالإحياء، فلو كان عيسى إلها، لكان له هذا مع نفسه على الأقل، أو مع قريبه النبيّ يحيى، فلا هو استطاع أن ينجّى نفسه، ولا استطاع أن ينجّى يحيى. وفي السورة أنزل الله تعالى أمره أن لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ولا يتخذوا بطانة منهم، وأوضح أن اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم هم اتباع له تعالى، فمن كان يحب الله فليحب نبيّه صلى الله عليه وسلم، وليطعه. وكان وفد نصارى نجران ستين راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، ثلاثة منهم كانوا من أكابرهم، قيل أن أسماءهم: «عبد المسيح» - وكان أميرهم وصاحب الرأي فيهم، و «الأيهم» - وكان صاحب مجتمعهم، «وأبو حارثة بن علقمة» أسقفهم وعالمهم، وتكلم الثلاثة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إثر صلاته العصر، واستمروا معه يناظرونه أياما، فمرة يقولون عيسى هو «الله» ، لأنه كان يحيى الموتى، ومرة يقولون «ابن الله» لأنه لم يعرف أن له أبا من البشر، ومرة يقولون هو «ثالث ثلاثة» حيث أن الله عند ما يتكلم عن نفسه يقول: «فعلنا وقلنا» ، ولو كان واحدا لقال: «فعلت وقلت» ، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه» ؟ قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربّنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ فهل يملك عيسى شيئا من ذلك» ؟ قالوا: لا. قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم» ؟ قالوا: لا. قال: «ألستم تعلمون أن ربّنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث، وأن عيسى كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث» ؟ قالوا: بلى. فقال: «فكيف يكون كما زعمتم» ؟ فسكتوا، وأبوا إلا الجحود، فكان أن دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة أو الملاعنة، فيجتمعون ويقولون: لعنة الله على الظالم منا»، فأول حوار بين الأديان، مما يقولونه الآن سبق إليه الإسلام والقرآن.

وقيل المباهلة من الابتهال إلى الله لإظهار الحق، والدعاء أن يلعن الكاذب من الطرفين المتحاجّين المتباهلين؛ وقيل إن المباهلة، من البهل أي اللعن، والآية: (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (61) من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها، بعد أن أعلمهم كبيرهم أنهم إن باهلوه كان النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الفائز، فتركوا المباهلة، فدعاهم إلى «كلمة سواء بينهم» : (أَلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت