تكون صلاته إلى الكعبة، وهو المراد من قوله تعالى: (قِبْلَةً تَرْضاها) (البقرة 144) ، وهي ذاتها قبلة إبراهيم عليه السلام، فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلّاها إليها صلاة العصر. وقيل إن تحويل القبلة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد صلى ركعتين من الظهر في مسجد بنى سلمة، فسمّى المسجد «مسجد القبلتين» ، وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، وعن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها - وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، أخرجه الشيخان. ولمّا حدث ذلك حصل لبعض المسلمين من أهل النفاق شك، وأرتاب اليهود في نوايا الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ) (البقرة 142) ، واستنكروا أن يستقبل المسلمون تارة بيت المقدس، وتارة الكعبة، فأنزل الله جوابهم: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (البقرة 142) ، (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة 115) ، وكان ذلك التوجّه هو التوجّه الحق، لأنه كان نحو أقدم بيت لله، وهو البيت الذي بناه إبراهيم الخليل، فكان المسلمون به موصولين بأبيهم وأبى الأنبياء والملل، وأما بيت المقدس فقد صلى له داود، وبناه سليمان، وشتان بين عمل أتاه إبراهيم وعمل أتاه داود وسليمان، والأنبياء والرسل مراتب. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليهود: «إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلّوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلّوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين» رواه أحمد. ولقد حوّلنا الله تعالى إلى قبلة إبراهيم واختارها لنا ليجعل من أمة الإسلام خير الأمم، وفي ذلك أنزل: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة 143) ، يعني لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، ففيكم تتمثل تعاليم وأعمال الآباء، بدءا من إبراهيم ومن أتى بعده؛ والوسط هنا هو الخيار والأجود، كما يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وسطا في قومه، يعني أوثقهم نسبا، يتصل بهؤلاء وهؤلاء، فالوسط موصول بكل الأطراف، بينما الأطراف مقطوعة. وقد جعل الله هذه الأمة وسطا - أي موصولة بالجميع، يقول: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة 126) ، ويقول: (هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا