فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 2524

أسمى درجة، وطالما أننا نعدّ الشخصية هي القيمة العليا، وهي بمثابة روح الروح أو الذات، فإن المطلق ليس سوى الإله المتشخص، والذي نعرفه باسم الله، وهو ذات محض. وليس معنى المطلق أنه المستبدّ بلا معقولية ولا خيرية، فالمطلق الذي هو الله ليس ضد الحرية، ولا تعارض بين سلطته وبين الحرية، وسلطته تعالى هي ما نسميه بالشريعة الإسلامية، وهي شريعة لأن الله تعالى بخيريته شرعها واستنّها لتعزيز الحرية وخدمتها وضمانها. والحرية في جوهرها أخلاقية، وهي أن نفعل أو لا نفعل، وكل فعل في حدود الشريعة - يتوخاه الإنسان الحر، صاحب الضمير الحرّ، والمقدّر للمسئولية، والذي لا يصدر عن هوى، والذي يستلهم القيم، ويعايش كل آية في القرآن؛ وهو الربّانى الذي اختار الطريق إلى الله، ويتمثّله تعالى فيما أمر ونهى، والله أو المثل الأعلى الإلهي، يجب أن يكون في وعى كل مسلم حرّ، لأنه تعالى الموجود لذاته أو المطلق، ونوره المشع الذي هو القرآن، عند ما تستضيئه الضمائر الجزئية، فإن حرية هذه الضمائر تظهر في ممارساتها على موضوعاتها، ويتبدّى نورها على أنفسها، ونكون بذلك قد حذونا حذو الله، أي نكون ربّانيين، ونعيش الله في أنفسنا، وفي العالم المحيط بنا، أي يكون الأنا الجزئى فينا صورة أو انعكاسا للأنا الإلهي الأعلى. والربّانيون لا يقضون إلا بما يقضى به الله، وهم دليل وجوده تعالى، لأنهم خلفاؤه (المائدة 44) ، وما كانوا كذلك إلا لأنه تعالى موجود فكانوا خلفاءه، والموجودات في هذا العالم واحدة من ثلاثة: فإما أنها واجبة الوجود، أي أن وجودها من ذاتها، أو أنها ممكنة الوجود، أي وجودها من غيرها، فلا توجد إلا بسبب، ولا تنعدم إلا بسبب، أي أن وجودها يكون محدثا، والمحدثات إذا كانت تحتاج لأسباب لوجودها، فهي محتاجة أيضا لأسباب لبقائها، وفي جميع الأحوال تحتاج لموجد لها، سواء في إيجادها الابتدائي، أو في حفظ بقائها بعد ذلك، أو في إعدامها. ووجود الممكن يقتضى بالضرورة وجود الواجب، وهو الذي وجوده من ذاته ولذاته، وبدون سبب، وليس بعرض، ولا علّة له، ويتّصف بصفات الكمال كلّها، وهو واحد لا يتعدد، وهو الله، لم يلد، ولم يولد، ولا شريك له، ولم يكن له كفو، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى. وكل الموجودات التي ذكرها القرآن أو لم يذكرها لها علل فاعلة، والله هو الموجود الوحيد في القرآن الذي هو علة نفسه

وليس علّة لغيره، وهو العلّة الأولى التي تنتهي إليها كل العلل، فهو علّة العلل. وكل آيات الخلق في القرآن تجزم بوجود الكون على نظام، وأنه كله يشمله الانسجام، وهو نسق من الوسائل والغايات، فكيف حدث ذلك والمادة عاجزة عن تدبير نفسها بنفسها إن لم يكن الذي أحدثها هو الله علّة العلل، والمحدث الأول؟ وتتحدث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت