فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 2524

دون سائر المخلوقات مشيئة وإرادة، وأنه حرّ أن يختار، فمن أين عرف الإنسان الحق والعدل إن لم يكن في الوجود قسطاس ومعيار لهذا الحق وذاك العدل، يغرس في نفسه معنى الحرية، ويمنحه الوعي بالواجب والمسئولية، وينمّى لديه الضمير يزعه خلقيا؟ ومن أين قرّ في طبع الإنسان، أن الواجب الكريه لديه، أولى به من إطاعة الهوى المحبب إليه؟ وآيات القرآن كثيرة في النهي عن الهوى، كقوله: (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) (135) (النساء) ، وقوله: (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا) (77) (المائدة) . والوازع الخلقى أو النفس اللّوامة، أو الضمير، هو المقصود بالآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (4) (القلم) ، والخلق هو الضمير، أو علامة الواجب في الإنسان، والبرهان الخلقى في القرآن يجزم بأن للخلق في الإنسان حاسة تضاف إلى بقية حواسه، وفقدان هذه الحاسة جنون خلقى، فمثل ما المجنون عقلا هو من لا تمييز له، فكذلك المجنون خلقا لا يصدر عن حق (المؤمنون 70) ، واسمه في علوم النفس والطب النفسي «السيكوباتى» ، وكان أبو جهل من المجانين خلقيا، وسيكوباتيا من الطراز الأول، فكان يلبس الحق بالباطل، ويكتم الحق، واليهود يعانون هذا الجنون الخلقى، فقتلوا النبيين بغير حق، وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس، وما يزال ذلك دأبهم، وبوش الابن مثله مثل شارون وهتلر، لا خلق له ولا ضمير، ومثل ذلك الطغاة في العالم قاطبة: شارون، وبوش، وبلير، وبوتين. والخلق، أو الضمير، أو الوازع الخلقى، أو النفس اللّوامة، قبس من الله في الإنسان، ودليل على أن الإنسان أرقى الكائنات، وما كان رقيّه إلا بالضمير الممثّل لله في كل إنسان، وفي ذلك قوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (21) (الذاريات) . والمسلم ذو خلق عال، وترتيبه في مدرج الرقى الحضارى في الذرى، وأقواله وأفعاله هي الحسنى (البقرة) .وشبيه بالبرهان الخلقى: «برهان الحق والجمال والخير» ، فالإنسان والطبيعة حافلان بمحاسن الجمال وأوجه الخير والحق، وما أكثر الآيات عن ذلك في القرآن، والإنسان نفسه آية من آيات هذا الجمال والخير والحق، وصدق الله العظيم حين قال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4) (التين) ، وحين قال: (صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (64) (غافر) ، وحين قال: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) (114) (آل عمران) ، وحين قال: (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) (2) (العصر) .

وفي القرآن أن الإنسان يفاضل بين الخيرات ووجوه الجمال فيما يقول ويفعل، وما كانت المفاضلة تتسنّى له لو لم يكن لديه قسطاس شامل يقيس إليه ما يعنّ له من المفاضلات بين أوجه الحق والخير والجمال، وهي تتراتب صعودا إلى مصدرها الأصلى وهو الله، وليس شرطا أن يكون كل شيء في الكون خيّرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت