حقيقة الإيمان. والمحبة هي إرادة ما نعتقد أنه خير، وميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون المحبة بالحواس أو بالفعل، أو بالإحسان كجلب نفع أو دفع ضرر. وظاهر الحديث طلب المساواة بين الناس، والمساواة هدف من أهداف الإسلام، وركن من أركان الإيمان، وحقيقة المساواة تستلزم التفضيل، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين. ومن مفهوم الحديث: أن من الإيمان كذلك: أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر.
ومن الإيمان في الإسلام حب الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: «فو الذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده» . وفي رواية عند أنس: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» . ومقصوده صلى الله عليه وسلم هو حب الاختيار وليس حبّ الطبع. ومن لا يجد من نفسه ذلك الحب للرسول صلى الله عليه وسلم لا يكمل إيمانه، فلما قال له عمر: لأنت يا رسول الله أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي! قال: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك!» وهذا النمط من المحبة هو المحبة الراجحة، أي التي ترجح على غيرها. وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» . رواه أنس. ومحبة الله على قسمين: فرض وندب؛ فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره تعالى والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما قدّره؛ والندب: أن يواظب على النوافل، ويتجنّب الوقوع في الشبهات. وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على قسمين كما تقدم، فلا يسلك إلا طريقته - أي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم - ويرضى بشريعته. ومن يجاهد نفسه على ذلك يجد حلاوة الإيمان. فهل للإيمان حلاوة؟ أجل: هي استلذاذ الإيمان، فتحصل له من خلال الطاعة محبة الله، وكذلك الرسول. وحقيقة الحب في الله أن لا يزيد البر ولا ينقص بالجفاء. والإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب. وفي الآية: (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (225) (البقرة) أي بما استقر فيها، فلا مؤاخذة إلا بما ينعقد به القلب، والقلب مناط العلم، والعقل للإدراك، فما ندركه لا يدوم إلا إذا استقر في القلب، وباستقراره فيه يصبح علما، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله. إن الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» - فيظهر من قوله أن العلم بالله درجات، وأن البعض فيه أفضل من البعض، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم في أعلى الدرجات، وأن العلم بالله هو العلم بصفاته وأحكامه ومتعلقاتهما، وهذا هو الإيمان حقا.