فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 2524

القلبين» من دهائه، وكان يقول: إن لي في جوفى قلبين، أعقل بكل واحد منهما، أفضل من عقل محمد»، وكان الرجل من فهر. وفي رواية الواحدى والقشيرى وغيرهما سمّياه «ذا القلبين» ، وقالوا: نزلت الآية في جميل بن معمر الفهرى، وكان رجلا حافظا لما يسمع، فيقال عنه: ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول عن نفسه معرّضا بالنّبي صلى الله عليه وسلم: لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد!! فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل هذا، ورآه أبو سفيان في العير وقد علّق إحدى نعليه في يده، والأخرى في رجله، قال له: ما حال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجليّ! فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى نعله في يده! وقيل: الرجل هو جميل بن معمر الجمحى، وكان يدعى ذا القلبين، فنزلت فيه الآية. وقال الزمخشرى: هو جميل بن أسد الفهرى. وقيل هو عبد الله بن خطل. - والقصة كما ترى مختلقة، ولا أساس لها، وجميل هذا أو عبد الله غير معروف واختلفوا في اسمه، ولكنهم ألّفوا القصة ليعرّضوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي رواية ابن عباس: أن المنافقين قالوا: إن محمدا له قلبان - يعني نسبوا مسألة القلبين هذه المرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فيكون في شيء فينزع إلى غيره، ثم يعود إلى شأنه الأول! - يعني كان مترددا لا يستقر على رأى ولا حال، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك في شيء، فلو كان به هذا التردد لما تجمّع الناس حوله، ولما نجحت الدعوة، وللحقت به الهزيمة، وإنما كان صاحب عزم، ولذا قال له ربّه: (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (159) (آل عمران) ، وقال: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (186) (آل عمران) ، وقال: (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) (35) (الأحقاف) ، فلو لم يكن له عزم ما خاطبه الله به، ولكنه كان موفور العزم، على عكس آدم الذي قال الله تعالى فيه: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (115) (طه) .وللزهرى وابن حبّان تفسير آخر مرتبط ببقية الآية، وبقصة زيد بن حارثة لمّا تبنّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكما لا يكون لرجل قلبان، كذلك لا يكون ابن واحد لرجلين. ولكن الآية أكبر من أن تضرب كمثل لحالة زيد، ففيها أيضا تكذيب للمظاهر لأمّه، فكما لا يكون للرجل قلبان، كذلك لا تكون للمظاهر لأمه أمّان؛ وفي الآية أيضا تكذيب للمنافق ذي القلبين أو الوجهين. والصحيح أن الآية لا هي لهذا ولا لذاك، ولكنها لتأكيد هذه الحقيقة: أنه لا يمكن أن يجتمع ضدان في القلب الواحد، كالكفر والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار؛ وأن يدّعى أحدهم الإسلام، وهو يضمر اليهودية أو النصرانية، فإنما للإنسان قلب واحد، فإما فيه إيمان أو فيه كفر، ونفى الله تعالى التوسط بين الإيمان والكفر، والنفاق من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت