فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 2524

فلولا أنه مريض نفسيا - هكذا قالوا - لما ادّعى أنّ القرآن يأتيه من الغيب، ولما أورد هذه الصور والمشاهد التي حفل بها القرآن عن الجنة والنار، ويوم القيامة، وجميعها من الغيب. ولم يثبت الغيب علميا، وما كانت هناك تجارب علمية فيه تنفيه أو تثبته، وبذلك لا يحق لأحد أن يؤمن بالقرآن المدّعى أنه من الغيب. وقالوا: إن حال محمد كحال الفتاة الفرنسية چان دارك التي عاشت في القرن الخامس عشر، وكانت منذ صغرها تدّعى أنها تسمع أصواتا تكلمها، ولأن توجهاتها كانت دينية فلقد ادّعت أن هذه الأصوات إلهية تأتيها من الغيب، ولمّا كانت بلادها واقعة تحت الاحتلال الإنجليزى، وكرهت أن يعانى قومها ذلك، فقد ادّعت أن السماء أوفدتها مبعوثة إلهية لإنقاذ بلادها وأهلها، وأن تحضّ الناس على القتال، وأن تخرج بهم لمحاربة الإنجليز وطردهم، ولقد فعلت ذلك وصدّقها الناس، وجرّدت الحملات وقادت الجيوش تنشد التحرير والخلاص، إلا أنها لم تكن تتقن العسكرية، فانكسر رجالها بعد لأى، ودارت الدوائر عليها، ووقعت أسيرة في أيدى أعدائها، وحاكموها بدعوى التجديف الديني، والزعم بمزاعم يلحقها بها الموت، وقضوا أن تحرق حيّة، فصلبوها وأضرموا في جسمها النيران، وماتت ميتة الأبطال، حتى أنهم نادوا بها قدّيسة. وقدّم الدارسون من بعد مباحث في حياتها، أثبتوا فيها أنها كانت واسعة الخيال، وأنها كانت تعيش أحلام يقظة دائمة، تفصلها عن الواقع، وتباعد بينها وبين الحقيقة، وتأتيها منها تهيؤات بأنها ترى وتسمع ما لا يراه ولا يسمعه الآخرون، وأن الأصوات تأمرها أن تكون المخلّصة كالمسيح، فكان المسيح للخلاص الروحى، وهي لخلاص بلادها من الاحتلال، والاحتلال شرّ محض، يصيب قومها منه الأمراض، ويلحقهم به الفقر، وما يستحدثه في النفوس أنكى وأشدّ مما يستحدثه في الجسوم. وكانت چان دارك لا تنام، ولا يرقأ لها جفن، وابتليت بالأرق والضّور (الجوع الشديد) ، وكانت تتهيج وتثور لأتفه الأسباب. فهل كان بمحمد مثل ذلك حتى تعقد مشابهته بچان دارك؟ وهل تصلح نتائج دراسة على چان دارك كتحليل لشخصية محمد؟! وما كان محمد صلى الله عليه وسلم شتّاما، ولا لعّانا، وكان مثالا للوقار والصلاح، وإذا غضب الناس كان هادئا، وإن أخطئوا عفا وغفر، وكان واقعيا لا يتوهم أشياء، ولا يتصوّر غير الواقع، ويطلب الحق، وينشد العدل، ويريد الإصلاح بين الناس، ويحتكم إلى العقل، وما كان يزكّى نفسه على أحد، ولم يكن بدعا من الرسل، وكان يؤكد أنه بشر من بشر، وابن امرأة تأكل القديد، وما كان شاعرا كالشعراء يتبعه غاوون، ولا يتلو إلا القرآن، كله آيات محكمات ذكرى لأولى الألباب، فأين ذلك من چان دارك؟ وما كان حديثها إلا عن توهّمات، وانعكاسا لاضطراب عقلي، وكانت تشكو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت