فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 2524

يسألوا ويكرروا السؤال: متى هذه الساعة؟ قال: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (187) (الأعراف) فكان سؤالهم عنها عظيما كسؤالهم أن يروا الله جهرة، فاستوجب الأمر أن يكون الجواب عظيما، قال: (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ، فلما سألوا نفس السؤال، كان سؤالهم هذه المرة استهزاء، فكان الجواب عليه استهزاء مثله، كقوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها(42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (44) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (45) (النازعات) ، فقوله (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها) كأنه تعالى يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: في أي شيء أنت يا محمد من ذكر الساعة والسؤال عنها؟ وأين أنت من الساعة، وأين هم منها؟ وكأنهم لما سألوه، سأل بدوره ربّه، فأنكر عليه ما ليس له أن يسأل؛ أو كأنه أنكر عليهم أن يسألوه هذا السؤال وليس هو ممن يعلمه، والعلم بالساعة علم بالغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، فإن لم يعلم محمد عن الساعة فليس بالجاهل، وإنما الجاهل من قصر علمه عن المعلوم لغيره، والأنبياء دورهم في الرسالة هو النذارة لمن يخافون الساعة، ولذلك فهم يتّبعون الذكر ويخشون الله بالغيب، واليهود والمشركون سواء، فلا هم يذكرون، ولا هم يخشون الله والآخرة، ولذلك لا يجدى معهم أن يكون للسؤال جواب، فلم يقل في الجواب «قل» كغيره ضمن باب «يسألونك» ، واكتفى بالتبكيت والتوبيخ. ويعدّ باب «يسألونك» من أبواب السؤال الهامة، ويحفل بالتعليم، وفيه يعلمنا عن الغنائم أو الأنفال وغيرها، كقوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) (1) (الأنفال) ، (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) (85) (الإسراء) ، وعن تاريخ بعض الشخصيات: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) (83) (الكهف) ، وعن تكوينات الطبيعة في الآخرة: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا) (105) (طه) ، وبعض ما نتعلمه من الغيب هو من أبواب التعلّم بالسؤال، وبعضه من الفقه. ومن أقوى الحجج في القرآن أن يكون دحض الفرية أو إسقاط الحجة، بإحالة صاحبها إلى شاهد يسأل فيها فيشهد بتهافت ما يقال، وصيغة ذلك «اسأل» ، و «اسئلوا» كقوله: (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ) (94) (يونس) ، وقوله: (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) (101) (الإسراء) ، وقوله: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ) (163) (الأعراف) ، وقوله: (فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (63) (الأنبياء) ، وقوله: (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) (211) (البقرة) .

ومن الأمثال الجارية مفتتحة بالسؤال، قوله: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (43) (النحل) ، وقوله: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ) (40) (القلم) ، والزعيم هو القائم بالحجة والدعوة. وفي مجال التبكيت والتوبيخ يأتي السؤال: (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت