موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة وتكون النائحة تذكر كلاما يقرر ذلك في النفوس وتوضحه للأفهام وتحمل السامعين على اعتقاد ذلك فكل لفظ تضمن ذلك كان حراما نظما كان أو نثرا مرثية أو نواحا وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التصريح بتحريم النواح وورد في الحديث أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده
والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذابها بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب وفي أبي داود لعن الله النائحة والمستمعة قال سند من أصحابنا هي التي تتخذ النواح صنعة قال وإلا فالمرة مكروهة لما في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك نساء جعفر لم يسكتهن وفيه عن جابر رضي الله عنه جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به وساق الحديث إلى أن قال فسمع صوت نائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمر فقال فلتبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع وفيه عن أم عطية رضي الله عنها أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة سمتهن والنواح من الكبائر
وصورته أن تقول النائحة لفظا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه وكماله وشجاعته وبراعته وأبهته ورئاسته وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم والجار إلى غير ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والتبرم بقدره وأن الواقع من موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة فيحمل السامعين على اعتقاد ذلك يكون حراما كبيرة نظما كان أو نثرا مرثية أو نواحا وذلك كأن تقول النائحة لفظا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه وكماله وشجاعته وبراعته وأبهته ورئاسته وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم والجار إلى غير ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن لا يموت فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثل الموصوف بهذه الصفات ويعظم التفجع على فقد مثله وأن الحكمة كانت تقتضي بقاءه وتطويل عمره لتكثر تلك المصالح في العالم وكأن يقول الشاعر في رثائه مات من كان بعض أجناده الموت ومن كان يختشيه القضاء فيتضمن شعره من التعريض للقضاء بقوله من كان بعض أجناده الموت تعظيما لشأن هذا الميت وأن مثل هذا الميت ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك ويشير قوله يختشيه القضاء إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا إذا لم يكن كفرا صريحا وهو الظاهر من لفظه فهو قريب منه فلذا لما حضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في المحفل الذي جمع فيه الملك الصالح الأكابر والأعيان والقراء والشعراء لعزاء الخليفة ببغداد وأنشد بعض الشعراء في مرثيته مات من كان بعض أجناده الموت وسمعه الشيخ أمر بتأديبه وحبسه وأغلظ الإنكار عليه وبالغ في تقبيح رثائه وأقام بعد التعزير في