وقال تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) ، وإن أخذ شيء حرام بلا ريب عند الفرقة، وإن الحرمة سببها ألا يجمع على المرأة أمرين كلاهما مؤذ لها؛ أولها الفراق الذي لَا تريده، وثانيهما استرداد ما وهب. وقد يقول قائل: إذا طابت نفسها بذلك فلماذا لَا يأخذ؟ فنقول: إذا كان طيب نفسها من غير نشوز منها، والبغضُ منه هو الذي رغب في الطلاق وأراده، فإن ذلك مكارم أخلاق منها، وفساد نفس منه، ومثل ذلك لَا يكون حلالا؛ وليس من ذلك قوله تعالى: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) ، لأن هذه الآية موضوعها حال قيام الزوجية، كما أنه ليس منه قوله تعالى: (وَأَن تَعْفوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. . .) ، لأن تلك الآية موضوعها الطلاق قبل الدخول الذي يسقط نصف المهر، فإنهما لم تقم بينهما عشرة زوجية، فسوغ العفو منها إذا لم تكن قد قبضت شيئًا، أو قبضت دون نصف المهر؛ وسوغ العفو منه إن كانت قد قبضت أكثر من النصف؛ ولذلك لم يكن في ذلك أخذ لما أعطى عند عفوها، بل إسقاط لما يجب، وعساه يكون في عسرة، وعسى أن يكون ذلك سبب الفراق ولم يكن منه أخذ، ولكن كان منها إسقاط، فلا ظلم ولا بهتان.
ولم يسوغ الشارع الحكيم الأخذ إلا إذا خافا ألا يقيما حدود الله، ففي هذه الحال يحل الأخذ. وحدود الله سبحانه وتعالى ما أوجبه من حقوق للرجل على زوجته، ولها عليه، وهي مقاصد الزواج؛ فإن لم يتحقق من الزواج مقاصده، ولم تقم الأسرة الهنيئة التي تربط بين آحادها المودة الواصلة بين الزوجين فأخذ المال جائز.
وتلك الحال التي يخافان ألا يقيما حدود الله، وواجباته، وحقوق كل منهما على صاحبه، تتحقق بسببين: