بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهَاوُنِ بِحُقُوقِ النِّسَاءِ وَجَعْلِ الْعَابِثِ بِأَحْكَامِ اللهِ فِيهَا مُسْتَهْزِئًا
بِآيَاتِهِ - وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْوَعِيدِ وَالتَّرْهِيبِ مَا فِيهِ - أَرَادَ تَعَالَى أَنْ يُقَرِّرَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فِي النُّفُوسِ بِبَاعِثِ التَّرْغِيبِ فِيهَا بِالتَّذْكِيرِ بِفَوَائِدِهَا وَمَزَايَاهَا ، وَبَيَانِ الْمِنَّةِ فِي هِدَايَةِ الدِّينِ الَّتِي هِيَ مِنْهَا فَقَالَ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) أَيِ: امْتَثِلُوا مَا ذَكَرَ آنِفًا مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَتَذَكَّرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ فِي الرَّابِطَةِ
الزَّوْجِيَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (30: 21) وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْكُمْ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْفِطْرَةِ فِي الزَّوْجِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ فِيهَا حَالَ كَوْنِهِ يَعِظُكُمْ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا - أَيِ: الْأَحْكَامِ وَحِكْمَتِهَا - فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ مَعَ حِكْمَتِهِ هِيَ الَّتِي تُحْدِثُ الْعِظَةَ وَالْعِبْرَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الِامْتِثَالِ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ النَّفْسِيَّةُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا) .