وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: جَمْعُ اللِّينَةِ لِيَنٌ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهَا، قَالَتْ بَنُو النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ، فَمَا بَالُكَ تَقْطَعُ نَخْلَنَا وَتُحَرِّقُهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَا قَطَعَ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَرَكَ، فَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ فَعَلَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافٍ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَطْعِهَا وَتَرْكِهَا.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} الْآيَةُ، أَيْ لِيَعِظَهُمْ، فَقَطَعَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ النَّخْلَ، وَأَمْسَكَ آخَرُونَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَكُونَ إِفْسَادًا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي الْفَسَادِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ}
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الْآيَةُ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وَقَوْلُهُ: {فَبِإِذْنِ اللَّهِ}
يَقُولُ: فَبِأَمْرِ اللَّهِ قَطَعْتُمْ مَا قَطَعْتُمْ، وَتَرَكْتُمْ مَا تَرَكْتُمْ، وَلِيَغِيظَ بِذَلِكَ أَعْدَاءَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فَسَادًا.
عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} أَيِ فَبِأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَلَكِنْ نِقْمَةً مِنَ اللَّهِ {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} .
وَقَوْلُهُ: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} وَلِيُذِلَّ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، الْمُخَالِفِينَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَهُمْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ... (6) }