وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحلم الناس وأجودهم وأكثرهم حياء، وكان أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان أوسع الناس صدراً وأصدقهم لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، كان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يجب من دعاه، ويقبل الهدية ولو كانت كراهاً ويأكلها ويكافئ عليها ويغضب لربه ولا يغضب لنفسه، يمازح أصحابه ويخالطهم ويحنِّك أطفالهم ويضعهم في حجره ويداعبهم، ويجيب دعوة العبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى ولو في أقصى المدينة ماشياً ولو من وجع العين، ويعود الأعراب والصبيان، ويقبل عذر المعتذر ويكثر مشاورة أصحابه. وقال لوفد عبد القيس: مرحباً بالقوم، وقال لعمار: مرحباً بالطيب، وقال لفاطمة: مرحباً يا بنتي. وكان إذا دخلت قام إليها وقبلها وأجلسها مجلسه. وقال لما بلغه أنها فهمت بعض إشارته فداها أبوها وأمها، وارتحله أحد أولادها وهو ساجد يصلي بالناس فطول سجوده لأجل ذلك، وكأن يكرم كريم كل قوم ويقول: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه فإن الرجل إذا أكرم أخاه فإنما يكرم ربه. وأنزلوا الناس منازلهم.
وكان يحدث الناس ويحترز منهم. ولا يطوي عن أحد بشره ولا خلقه.
وكان يؤلفهم ولا ينفرهم. وقال: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا. ويتفقد أصحابه.
وكان يسأل الناس عما في الناس ويعطي كل جلسائه نصيبه من وجهه ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه. ومن جاءه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. قد وسع الناس خلقه وبسطه.
وكان لهم أباً، وصاروا عنده في الخلْق سواء وما أخذ أحد بيده فيرسلها حتى يكون الذي أخذ يرسلها. ويبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ويكرم من دخل عليه، وربما بسط ثوبه لمن ليس بينه وبينه قرابة يجلسه عليه وربما إذا رأى الرجل من أصحابه مغموماً يداعبه ويسره. وَكانوا يتناشدون الشعر ويذكرون أمرا لجاهلية وهو عندهم ساكت.
وكان يضحك مما يضحكون ويتعجب مما يتعجبون، وكان يمشي في السوق مرة بعد أخرى يأمر فيه وينهى.
وكان إذا جلس إليه أحد وهو يصلي خفف صلاته ويسأله حاجته ثم يعود إلى صلاته. وكان أكثر الناس تبسماً، وكان يجالس الفقراء والمساكين، ويأكل ما سقط من المائدة. وقال لغلام المغيرة: ادع لنا واستغفر لنا. وقال لعمر: لا تنسانا يا أخي من صالح دعواتك.