من قوله (شاهدًا) إلَى (منيرًا) المراد بالوصف
الوصف اللغوي لا النعت النحوي فإن ما ذكر حال لا وصف.
قوله:(وهو الأمر بالمراقبة لأن ما بعده كالتفصيل له، وقابل المبشر بالأمر ببشارة
المؤمنين والنذير بالنهي عن مراقبة الْكُفَّار)وهو الأمر بالمراقبة فحِينَئِذٍ الأولى إسقاط المثل
في قوله مثل فراقب أحوال أمتك؛ لأن الشاهد لا بد له من مراقبة ما يشهد عليه. قوله لأن ما
بعده علة لحذف مقابل الشاهد أي وإثمًا حذف لأن ما بعده أي ما بعد الشاهد وهو الأمر
بالتبشير كالتَّفْصيل له. أي يدل عليه ويغني عنه. وحاصله أنه لم يذكر مقابل الشاهد صريحًا
وهو الأمر بالمراقبة ثقة بظهور دلالة مقابل المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير.
قوله: (والمبالاة بأذاهم والداعي إلى الله بتيسيره بالأمر بالتوكل عليه) والمبالاة عطف
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وقابل المبشر ببشارة الْمُؤْمنينَ أي قابل قوله: (ومبشرًا) ، بخطاب
بشارة الْمُؤْمنينَ وهذا أعم تناسبًا مما قاله به صاحب الكَشَّاف فإنه جعل المبشر مقابلًا بقوله:(ولا
تطع)حيث قال: وقابل المبشر بالإعراض عن الْكَافرينَ والْمُنَافقينَ لأنه إذا أعرض
عنهم أقبل جميع إقباله عَلَى الْمُؤْمنينَ وهو مناسب للبشارة. إلَى هنا كلام الكَشَّاف وفي توجيه
التناسب في هذه المقابلة وهي مقابلة المبشر بـ لا تطع الْكَافرينَ بُعد وتكلف كما قال الطيبي: هذا
نظم في غاية الحسن لكن في مقابلة التبشير بالإعراض عن الْكَافرينَ كلفة، ولهذا قال القاضي وبشر
مَعْطُوف عَلَى مَحْذُوف مثل فراقب أحوال أمتك.
قوله: والداعي إلَى الله بتيسيره بالتوكل. الباء في بتيسيره متعلق بالداعي وهو معنى بإذنه في
قوله: (وداعيًا إلَى الله بإذنه) وفي قوله بالتوكل متعلق بقابل أي قابل الداعي
بإذنه بخطاب التوكل حيث أمره له قائلًا (توكل عَلَى الله) قَالَ الطيبي رحمه الله:
نظير هذه الآية ما روينا عن البخاري وأحمد بن حنبل عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن
عمر فقلت له أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التَّوْرَاة. قال والله إنه لمَوْصُوف في التَّوْرَاة ببعض
صفته في الْقُرْآن (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وحرزًا
[للأميين] , أنت عبدي ورسولي, سميتك المتوكل, لست بفظ ولا غليظ ولا [صخاب] في الأسواق, ولا يدفع السيئة بالسيئة, ولكن يعفو ويصفح [ويغفر] , ولن يقبضه الله حتى [يقيم] به الملّة العوجاء, [بأن يقولوا لا إله إلا الله, فيفتح] به
أعينًا عميًا, وآذانًا صمًا, وقلوبًا غلفًا. وقد روى الراوي [نحوه] . عن عبد الله بن سلام فقوله حرزًا
[للأميين] مقابل لقَوْله تَعَالَى: (وداعيا إلَى الله بإذنه) أي بتيسيره وتسهيله فإن
دعوته صلى الله تَعَالَى عليه وسلم إنما حصلت فائدتها فمن وفقه الله تَعَالَى بتبين وتسهيل فلذلك
آمنوا من مكان الدُّنْيَا وشدائد الْآخرَة وكأنه صلوات الله عليه بهذا [الاعْتبَار] حرزًا لهم. وقوله سميتك
المتوكل إلَى آخر الْحَديث. مقابل قوله: (وسراجًا مُنِيرًا) فعلم قوله:(وتوكل
على الله وكفى باللَّه وكيلًا)مناسب لقوله: (وسراجًا مُنِيرًا) .
فإن السراج مضيء في نفسه ومنور لغيره فبكونه متوكلًا عَلَى الله يكون كاملًا في نفسه فهو مناسب
لقوله [يقيم] به الملة العوجاء يفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا. وهذا معنى قول صاحب الكَشَّاف: من
أناره الله تَعَالَى برهانًا عَلَى جميع خلقه، كان جديرا بأن يكتفى به عن جميع خلقه. والله أعلم.