أمره سبحانه بأن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً على سائر الأمم ، وقد بيّن ذلك سبحانه بقوله: {والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير} [الشورى: 22] ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} أي لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من المداهنة في الدين ، وفي الآية تعريض لغيره من أمته ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه ، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في أوّل السورة {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى بسبب يصيبك في دين الله وشدّتك على أعدائه ، أو دع أن تؤذيهم مجازاة لهم على ما يفعلونه من الأذى لك ، فالمصدر على الأوّل مضاف إلى الفاعل وعلى الثاني مضاف إلى المفعول ، وهي منسوخة بآية السيف {وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} في كل شؤونك {وكفى بالله وَكِيلاً} توكل إليه الأمور وتفوّض إليه الشؤون ، فمن فوّض إليه أموره كفاه ، ومن وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه.
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً} يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلاّ جعل لها أجلاً معلوماً ، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر ، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلاّ مغلوباً على عقله ، فقال: {فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} [النساء: 103] بالليل والنهار ، في البرّ والبحر ، في السفر والحضر ، في الغنى والفقر ، في الصحة والسقم ، في السرّ والعلانية وعلى كل حال ، وقال: {وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} إذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته قال الله: {هُوَ الذي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} .