ولقد ذكر المسلمون الأوائل ربهم وشكروه فذكرهم ورفع ذكرهم، ومكنهم من القيادة الراشدة، ثم نسوه فإذا هم همل ضائع، وذيل تافه، لا ذكر لهم في الأرض، ولا في الملأ الأعلى، ولا عند المولى، ومن ذكر الله ذكره، والوسيلة قائمة: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) } [البقرة: 152] .
ولكي يؤثر ذكر الله في القلب لا بدَّ عند الذكر من ثلاثة أشياء:
أحدها: فراغ القلب من كل شيء سوى الله، كما قال سبحانه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } [الشرح: 7، 8] .
الثاني: التبتل وهو الانقطاع إلى الله، والانفصال بالقلب عن الخلائق كما قال سبحانه: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) } [المزمل: 8] .
الثالث: التدبر لما يقول، فإذا قال: سبحان الله، قال: يا الله أنت بريء من كل عيب، وأنا مليء بكل عيب، وإذا قال: الحمد لله، قال أنت العظيم الكريم فلك كل حمد، وأنا لا أستحق الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله، قال: أنت معبودي وإلهي وأنا لا أمشي على هواي، وإذا قال: الله أكبر قال: أنت الكبير الذي له الكبرياء في السموات والأرض، وكل ما سواك مخلوق صغير.
فبالتدبر يدخل كل هذا في القلب، ويؤثر فيه أعظم من تأثير الطعام في البدن، وبذلك يحصل على كمال الإيمان واليقين والتقوى.
فالعبادات والصلوات والأذكار كلها تذكر العبد بربه .. فيزيد إيمانه .. ويحرص على طاعته .. ويجتنب معصيته .. ويرجو رحمته .. ويخاف عذابه .. ويشكره على نعمه .. ويستحي أن يراه على معصيته.
ولذلك أمرنا الله بكثرة ذكره وتسبيحه في كل حين كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) } [الأحزاب: 41، 42] .
16 -فقه التبتل
قال الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) } [المزمل: 8] .
وقال الله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } [الحجر: 98، 99] .