ثم يبيّن لنا الحق سبحانه العلَّة في صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين ، فيقول {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ...} [الأحزاب: 43] فكأن منهج الله بافعل ولا تفعل هو أول صلاة الله علينا ؛ لأنه الوسيلة التي تُخرجنا من الظلمات إلى النور ، وجاء هنا بالشيء الحسِّيِّ لنقيس عليه المعنوي ، فأنت في النور ترى طريقك وتهتدي إلى غايتك بلا معاطب ، أمَّا في الظلام فتتخبط خُطَاك وتضلّ الطريق في الظلام ، تسير على غير هُدى ، وعلى غير بصيرة ، فتحطم الأضعف منك ، ويُحطِّمك الأقوى منك .
والنبي صلى الله عليه وسلم يُوجِّهنا حين ننام بالليل أنْ نطفيء المصابيح فيقول:"واطفئوا المصابيح إذا رقدتم"وقد أثبت العلم أن للأنوار المضاءة أثناء النوم تأثيراً ضاراً على صحة الإنسان ، وأنه لا يرتاح في الضوء الراحة التامة لما يصيبه أثناء النوم من إشعاع الضوء ، كما حذرونا أيضاً من التعرُّض لأضواء التليفزيون مثلاً .
إذن: للنور مهمة ، وللظلمة مهمة - هذا في الحسِّيات .
كذلك منهج الله بافعل ولا تفعل هو النور المعنوي الذي يقيك العطب ، ويمنحك الإشراقات التي تهتدي بها في دروب الحياة ، لذلك قال تعالى بعدها: {وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً} [الأحزاب: 43] .
لكن إنْ كان سبحانه رحيماً بالمؤمنين ، فما بال الكافرين؟ قالوا: هو سبحانه بالكافرين رحمن ، فالله تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ؛ لأن رحمن الدنيا يعني أن خيره يعُمُّ الجميع المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي ، أما في الآخرة فتتجلَّى صفة الرحيم ؛ لأن رحمته في الآخرة تخصُّ المؤمنين دون غيرهم .
والحق سبحانه حين يقول: {الله نُورُ السماوات والأرض ...} [النور: 35] لا يعني هذا وَصْفاً لذاته سبحانه ، إنما يعني أنه سبحانه نور السماوات والأرض أي: مُنوِّرهما كما نقول: المصباح نور المسجد .
وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بقول أبي تمام في مدح المعتصم: