بل لم يقفوا عند حَدِّ طلب النجاة للمؤمنين من النار ، إنما يطلبون لهم الجنة {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [غافر: 8] .
ثم يزيدون على ذلك: {وَقِهِمُ السيئات وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم} [غافر: 9] .
ووالله ، لو أراد المؤمن أنْ يدعو لنفسه ما وجد أعمَّ ولا أشمل من دعاء الملائكة له ، فبعد أنْ طلبوا له المغفرة والنجاة من النار لم يتركوه هكذا في أهل الأعراف ، لا هُمْ في الجنة ، ولا هُمْ في النار ، إنما سألوا الله لهم الجنة عملاً بقوله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ...} [آل عمران: 185] .
وهذه المسألة من المسائل التي وقف أمامها المستشرقون ، فقالوا: إنها تتناقض مع الحديث النبوي:"ما من يوم تطلع شمسه إلا وينادي ملكان يقول أحدهما: اللهم أَعْط مُنفقاً خَلَفاً ، ويقول الآخر: اللهم أعْط مُمسكاً تَلَفاً"، فكيف تقولون: إن الملائكة يدعون للناس بالخير وهم يدعون عليهم بالشر؟
وهم معذورون في اعتراضهم ؛ لأن ملكاتهم لا تستطيع فَهْم المعاني في الحديث الشريف ، والتناقض في نظرهم في قوله صلى الله عليه وسلم:"ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً"، فالأولى واضحة لا تناقض فيها ؛ لأنها دعوة بالخير ، أما الثانية فهي دعوة بالشر ."اللهم أعْط ممسكاً تلفاً".
ولو تأملوا نصَّ هذه العبارة لوجدوا فيها الجواب ، فالتلف يُعطي أم يؤخذ؟ المفروض أنه يُؤخذ ، فحين يقول رسول الله:"اللهم أعط ممسكاً تلفاً"فاعلم أنه عطاء لا أَخْذٌ وإن كان في ظاهره تلفاً ، والمعنى أن شيئاً شغلك ، وفتنك فتصيبك فيه مصيبة تخلصك منه فتعود إلى ربك ، إذن: هو أَخْذ في الظاهر عطاء في الحقيقة .