وسبق أنْ شبَّهنا نضج الإنسان بنضج الثمرة ، فالثمرة لا تحلو إلا حين تنضج بذرتها ، وتصير صالحة للإنبات إنْ زُرعت ، وهذه من عظمة الخالق سبحانه ، ولو أن الثمرة تحلو وتستوي قبل نُضْج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة ، ولما انتفع بها أحد بعدنا ، ومثَّلْنا لذلك ببذرة البطيخ إن وجدتها سوداء صلبة فاعلم أن ثمرتها استوت وحَلَتْ وصارتْ صالحة للأكل ، وهذه المسألة جعلها الخالق سبحانه لحفظ النوع .
شيء آخر: بعد أن بلغتْ سنَّ التكليف ، أجاءك التكليف مستوعباً لكل حركة في حياتك؟ أجاء قَيْداً لك؟ حين تتأمل مسائل التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك الله فيه بافعل كذا ولا تفعل كذا ، وهذه المنطقة لا تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك ، وترك لك نسبة الخمسة والتسعين أنت حُرٌّ فيها ، تفعل أو لا تفعل ، فأيُّ عظمة هذه! وأيُّ رحمة التي يعاملنا بها ربنا عز وجل! وهذا إنْ دلَّ فإنما يدلُّ على حبِّ الخالق سبحانه لخَلْقه وصنعته . أفلا يستوجب ذلك منَّا ألاَّ نغفل عن ذكره ، وأن نكثر من تسبيحه وشكره ، في كل غدوة وعشية .
والأعظم من هذا كله أنه - سبحانه وتعالى - جعل ذكْرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت ، وفي ميزانك ؛ لذلك قال في الآية التي بعدها: {هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ...} .
معنى {هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ...} [الأحزاب: 43] الصلاة هي الدعاء ، والدعاء لا يكون إلا بطلب الخير للداعي ، ولا يدعو إلا قادر على هذا الخير ، وعليه كيف نفهم هذا المعنى؟ أيدعو ربنا نفسه تبارك وتعالى؟ قالوا: إذا كانت نهاية الصلاة طلبَ الخير ، وهذا الخير إذا طلب حصل ، فالحق سبحانه هو الداعي ، وهو الذي يملك مفاتح الخير كله ، فهو الذي يُصلِّي عليكم ، وهو الذي يعطيكم ، وهو الذي يرحمكم .