صباه إلى كهولته إلى أن توفي ترد هذه الفرية ؛ فحياته لم تكن حياة حب واستهتار ، ولا عرف عنه أنه كان زير نساء ، ولا صريع الغواني ؛ وإنما كانت حياة الشرف والكرامة ، ما عرفت الدنيا أطهر ذيلا منه ، ولا أعف منه ، ولا لمست يده قط يد امرأة لا تحل له بشهوة ، وكيف يكون على هذا الحال الذي افتروه من خاطبه من يعلم السر وأخفى ، بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} ، ولو كان رسول الله صاحب هوى ، أو غرام لأشبع رغبته وهو في ميعة الصبا وشرخ الشباب ، أيام أن كان الغيد الكواعب من بنات الأشراف تشرئب أعناقهن إلى أن يكن حليلات له ، ولكنه قضى شبابه مع سيدة تزيد على الأربعين ، ورضيها زوجا له ، حتى توفاها الله ، ومهما قيل في جمالها: فهناك غيرها من الأبكار الشابات من يفقنها في الجمال ، وللأبكار ما لهن من جاذبية وروعة ، ومن قضى بغير ذلك: فقد خالف سنة الله في الفطرة ، واتبع شواذ العادات.
ولم يكن زواج رسول الله بزوجاته إلا لحكم ومقاصد سامية: فزواجه بعائشة وحفصة توكيد للعلاقة بينه وبين وزيريه ، وزواجه بالسيدتين ، سودة وزينب بنت عبد الله تكريم لهما ، وللعقيدة القوية في شخص زوجيهما1 ، وزواجه بالسيدة أم سلمة جبر لكسرها ، وتعويض لها عن فقد عائلها ، وعرفًا لتضحياتها وتضحيات السيد أبي سلمة زوجها ، ومهما قيل في أم سلمة ، وأنها كانت ذات جمال في شبابها ؛ فقد كان في كبر سنها وما مرت به من أحداث جسام ، من الهجرة إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة ، وما أنجبت من أولاد ، وما رزئت به في فقد الرجل الذي ما كانت تظن أن هناك من هو خير منه. لقد كان في كل ذلك ما يذوي بهذا الجمال ، إن لم يذهب به ، ثم أليس في غيرها من بنات المهاجرين والأنصار الأبكار من تفوقها جمالا ، وشبابا ، وثروة ، ونضرة ؟!.
وزواجه بالسيدة: أم حبيبة بنت أبي سفيان حفظ لها من الضيعة وهي في بلاد نائية عن بلادها ، فقد تنصر زوجها: عبيد الله بن جحش ومات على نصرانيته ، وثبتت هي على إيمانها ، وتحملت آلام الوحدة والغربة ؛ فلم يكن ثم شيء أجمل مما صنعه الرسول
1 فقد هاجرت السيدة سودة مع زوجها إلى الحبشة فمات هناك ، وأما السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله فكانت تحت عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أحد شهداء بدر ، وقيل كانت زوجة عبد الله بن جحش شهيد"أحد".