{فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} ..
وإن كان فيها أحد من أهلها فإن مجرد الاستئذان لا يبيح الدخول ؛ فإنما هو طلب للإذن. فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول كذلك. ويجب الانصراف دون تلكؤ ولا انتظار:
{وإن قيل لكم: ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} ..
ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة ، ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم ، أو النفرة منكم. فللناس أسرارهم وأعذارهم. ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين.
{والله بما تعملون عليم} .. فهو المطلع على خفايا القلوب ؛ وعلى ما فيها من دوافع ومثيرات.
فأما البيوت العامة كالفنادق والمثاوى والبيوت المعدة للضيافة منفصلة عن السكن ، فلا حرج في الدخول إليها بغير استئذان ، دفعاً للمشقة ما دامت علة الاستئذان منتفية:
{ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم} ..
{والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} .. فالأمر معلق باطلاع الله على ظاهركم وخافيكم ؛ ورقابته لكم في سركم وعلانيتكم. وفي هذه الرقابة ضمان لطاعة القلوب ، وامتثالها لذلك الأدب العالي ، الذي يأخذها الله به في كتابه ، الذي يرسم للبشرية نهجها الكامل في كل اتجاه.
إن القرآن منهاج حياة. فهو يحتفل بهذه الجزئية من الحياة الاجتماعية ، ويمنحها هذه العناية ، لأنه يعالج الحياة كلياً وجزئياً ، لينسق بين أجزائها وبين فكرتها الكلية العليا بهذا العلاج. فالاستئذان على البيوت يحقق للبيوت حرمتها التي تجعل منها مثابة وسكناً. ويوفر على أهلها الحرج من المفاجأة ، والضيق بالمباغتة ، والتأذي بانكشاف العورات.. وهي عورات كثيرة ، تعني غير ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه اللفظة.. إنها ليست عورات البدن وحدها. إنما تضاف إليها عورات الطعام ، وعورات اللباس ، وعورات الأثاث ، التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمل وإعداد.