(هو) أي الرجوع (أزكى لكم) أي: أفضل وأطهر من التدنس بالمشاحة على الدخول ومن اللج والعناد والوقوف على الأبواب، لما في ذلك من سلامة الصدر، والبعد من الريبة، والفرار من الدناءة والرذالة، وإذا حضر أحد إلى الباب فلم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز وكان ابن عباس يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فيراه ويقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو أخبرتني بمكانك؟ فيقول هكذا أمرنا أن نطلب العلم (والله بما تعملون عليم) لا تخفى عليه من أعمالكم خافية، ومنه الدخول بإذن وغير إذن.
(ليس عليكم جُناح) في الدخول بغير استئذان (أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) أي البيوت التي ليست بموضوعة لسكنى طائفة مخصوصة، بل كانت موضوعة ليدخلها كل من له حاجة تقصد منها، وقد اختلف الناس في المراد
بهذه البيوت فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل، يأوي إليها.
وقال ابن زيد، والشعبي: هي حوانيت القيساريات وبيوت التجار، وحوانيتهم في الأسواق والرُّبَط، قال الشعبي: لأنهم جاءوا بيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس: هلم وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط ففي هذا أيضاً متاع، وقيل هي بيوت مكة، روي ذلك عن محمد بن الحنفية أيضاً، وهو موافق لقول من قال: إن الناس شركاء فيها ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير مسكونة.
(فيها متاع لكم) المتاع: النفعة عند أهل اللغة فيكون معنى الآية فيها منفعة لكم، كاستكنان من الحر، والبرد، وإيواء الرحال: والسلع، والشراء، والبيع، ومنه قوله: ومتعوهن. وقولهم: أمتع الله بك، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدم بالأعيان التي تباع، قال جابر ابن زيد: وليس المراد بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة. قال النحاس: وهو حسن موافق للغة.