زعم أهل العراق: أن شهادة القاذف لا تجوز ؛ لأشهد.
أخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبي بكرة - رضي الله عنه -: تب تقبل شهادتك ، أو إن تبت قبلت
شهادتك.
قال: وسمعت سفيان يحدث به هكذا مراراً ، ثم سمعته يقول: شككت فيه.
قال سفيان رحمه الله: أشهد لأخبرني ثم سمى رجلاً ، فذهب علي حفظ اسمه
فسألت ، فقال لي: عمر بن قيس هو سعيد بن المسيب ، وكان سفيان لا يشك أنه ابن المسيب رحمه الله.
قال الشَّافِعِي - رحمه الله -: وأما في ظاهر القرآن فإن الله - عزَّ وجلَّ يقول: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) الآية.
قلت: أفبالقذف قال الله عزَّ وجلَّ: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) الآية.
أم بالجلد ؟
قال: بالجلد عندي.
قلت: وكيف كان ذلك عندك والجلد إنما وجب بالقذف ؟ ..
وقلت له: إذ قال اللَّه - عز وجل -: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) الآية.
فكيف جاز لك أو لأحد أن تكلف من العلم شيئاً أن يقول: لا أقبل شهادة القاذف وإن تاب ؟!
الأم (أيضاً) : باب (الخلاف في إجازة شهادة القاذف) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فخالفنا بعض الناس في القاذف ، فقال: إذا ضرب
الحد ثم تاب لم تجز شهادته أبداً ، وإن لم يضرب الحد ، أو ضربه ولم يوفه جازت شهادته ، فذكرت له ما ذكرت من معنى القرآن والآثار ، فقال: فإنا ذهبنا إلى قول الله - عزَّ وجلَّ: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)
فقلنا: نطرح عنهم اسم الفسق ولا نقبل لهم شهادة.
فقلت: لقائل هذا أو تجد الأحكام عندك فيما يستثنى على ما وصفت فيكون مذهباً ذهبتم في اللفظ ، أم الأحكام عندك في الاستثناء على غير ما وصفت ؟!
فقال: أوضِح هذا لي.
قلت: أرأيت رجلاً لو قال: والله لا أكلمك أبداً.