فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعليّ البلاغ ، فقام إبراهيم على المقام وقيل: على جبل أبي قبيس ونادى: يا أيها الناس ألا إنّ ربّكم قد بنى بيتاً فحجّوه ، فأسمع الله ذلك من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وما بين المشرق والمغرب والبر والبحر ممن سبق في علم الله سبحانه أن يحجّ إلى يوم القيامة ، فأجابه: لبيك اللهم لبيك.
وقال ابن عباس: عنى بالناس في هذه الآية أهل القبلة وزعم الحسن أنّ قوله تعالى {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} كلام مستأنف ، وأن المأمور بهذا التأذين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمر أن يفعل ذلك في حجّة الوداع.
{يَأْتُوكَ رِجَالاً} مشاة على أرجلهم جمع راجل مثل قائم وقيام وصائم وصيام.
{وعلى كُلِّ ضَامِرٍ} أي وركبانا ، والضامر البعير المهزول ، وإنما جمع {يَأْتِينَ} لمكان كلّ ، أراد النوق {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} طريق بعيد.
سمعت أبا الحسن محمد بن القاسم الفقيه يقول: سمعت أبا القاسم بشر بن محمد بن ياسين القاضي يقول: رأيت في الطواف كهلاً قد أجهدته العبادة واصفرّ لونه وبيده عصا وهو يطوف معتمداً عليها ، فتقدّمت إليه وجعلت أُسائله فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من خراسان قال: في أي ناحية تكون خراسان؟ كأنّه جهلها؟ قلت: ناحية من نواحي المشرق ، فقال: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين وثلاثة أشهر ، قال: أفلا تحجّون كل عام فأنتم من جيران هذا البيت؟ فقلت له: وكم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرة خمس سنين ، خرجت من بلدي ولم يكن في رأسي ولحيتي شيب ، فقلت: هذا والله الجهد البيّن والطاعة الجميلة والمحبة الصادقة ، فضحك في وجهي وأنشأ يقول:
زُر مَن هويت وإنْ شطّت بك الدار ... وحال من دونه حجب وأستارُ
لا يمنعك بُعدٌ من زيارته ... إنّ المحبّ لمن يهواه زَوارُ