وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ النَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ. إِنَّ الْمُؤْمِنَ - وَاللَّهِ - مَا تَرَاهُ إِلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ: مَا أَرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِأَكْلَةِ كَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِكَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِكَذَا؟ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، وَلَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ وَلَا يُعَاتِبُهَا.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ النَّفْسُ الْكَافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَهَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا فَرَّطَتْ فِي أَمْرِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا.
وَالْقَصْدُ: أَنَّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقَاءَهُ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَقَبَّلَهَا مَنْ بُذِلَتْ لَهُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ قَرَّبَهَا لَهُ قُرْبَانًا. وَمَنْ قَرَّبَ قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْهُ لَيْسَ كَمَنْ رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُ. فَبَقَاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبَانُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْقَوْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَمُحِقِّهِمْ وَمُبْطِلِهِمْ عَلَيْهَا أَنَّ النَّفْسَ حِجَابٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ حَتَّى يَقْطَعَ هَذَا الْحِجَابَ. كَمَا قَالَ أَبُو يَزِيدٍ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ. فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وَتَعَالَ.
فَالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شَاقٌّ فِي طَرِيقِ السَّيْرِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكُلُّ سَائِرٍ لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ. فَلَابُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ شَاقٌّ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ سَهْلٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.