وهذه سُنة من سُنَنَ الله في خَلْقه لِيَدكّ في الإنسان غرور الاستغناء عن الله.
فلو متَّع الُله الإنسانَ بالغنى دائماً لما استمتع الكون بلذة: يا رب ارزقني ، ولو متَّعة بالصحة دائماً لما استمتع الكون بلذة: يا رب اشفني. لذلك يظل الإنسان موصولاً بالمنعِم سبحانه محتاجاً إليه داعياً إياه.
وقد قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]
فالحاجة هي التي تربط الإنسان بربه ، وتُوصله به سبحانه.
فالبَسْط والتضييق من الله تعالى له حكمة ، فلا يبسط لهم الرزق كل البسط ، فيعطيهم كُلَّ ما يريدون ، ولا يقبض عنهم كل القبض فيحرمهم ويُريهم ما يكرهون ، بل يعطي بحساب وبقدر ؛ لتستقيم حركة الحياة ، كما قال تعالى في آية أخرى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ..} [الشورى: 27]
وقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً { [الإسراء: 30]
لأن الحق سبحانه لو لم يوزع الرزق هذا التوزيع الحكيم لاختلَّ ميزان العالم ، فَمنْ بُسِط له يستغني عن غيره فيما بُسِط له فيه ، ومَنْ ضُيِق عليه يتمرد على الكون ويحقد على الناس ، ويحسدهم ويعاديهم.
إنما إذا علم الجميع أن هذا بقدر الله وحكمته فسوف يظل الكون المخلوق موصولاً بالمُكوِّن الخالق سبحانه.
وفي قوله: إِنَّ رَبَّكَ.. { [الإسراء: 30]
ملمح لطيف: أي ربك يا محمد وأنت أكرم الخلق عليه ، ومع ذلك بَسَط لك حتى صِرْت تعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر ، وقبض عنك حتى تربط الحجر على بطنك من الجوع.
فإن كانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم فلا يستنكف أحد منا إنْ ضيّق الله عليه الرزق ، ومَنْ منّا ربط الحجر على بطنه من الجوع؟!