ولأن في الانكفاف عن البذل غير المحمود الذي هو التبذير استبقاء للمال الذي يفي بالبذل المأمور به ، فالانكفاف عن هذا تيسير لذاك وعون عليه ، فهذا وإن كان غرضاً مهماً من التشريع المسوق في هذه الآيات قد وقع موقع الاستطراد في أثناء الوصايا المتعلقة بإيتاء المال ليظهر كونه وسيلة لإيتاء المال لمستحقيه ، وكونه مقصوداً بالوصاية أيضاً لذاته.
ولذلك سيعود الكلام إلى إيتاء المال لمستحقيه بعد الفراغ من النهي عن التبذير بقوله: {وإما تعرضن عنهم} الآية ، [الإسراء: 28] ثم يعود الكلام إلى ما يبين أحكام التبذير بقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] .
وليس قوله: {ولا تبذر تبذيراً} متعلقاً بقوله: {وآت ذا القربى حقه} الخ..
لأنّ التبذير لا يوصف به بذل المال في حقّه ولو كان أكثر من حاجة المعطى (بالفتح) .
فجملة {ولا تبذر تبذيرا} معطوفة على جملة {ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] لأنها من جملة ما قضى الله به ، وهي معترضة بين جملة وآت ذا القربى حقه الآية وجملة {وإما تعرضن عنهم} الآية[الإسراء:.
2]، فتضمنت هذه الجملة وصية سادسة مما قضى الله به.
والتبذير: تفريق المال في غير وجهه ، وهو مرادف الإسراف ، فإنفاقه في الفساد تبذير ، ولو كان المقدار قليلاً ، وإنفاقه في المباح إذا بلغ حد السرف تبذير ، وإنفاقه في وجوه البر والصلاح ليس بتبذير.
وقد قال بعضهم لمن رآه ينفق في وجوه الخير: لا خير في السرف ، فأجابه المنفق: لا سرف في الخير ، فكان فيه من بديع الفصاحة محسن العكس.
ووجه النهي عن التبذير هو أن المال جُعل عوضاً لاقتناء ما يحتاج إليه المرء في حياته من ضروريات وحاجيات وتحسينات.