أقولُ: وإنّما قال صغيرهم حتى يكبر، لأنّ كبيرَ الأولادِ في العادة قلّما يَظفرُ من حبّ أبيه بمثل ما يظفر به الصغير، وقد قالوا في ذلك ما يُبين عن السبب، وهو ما روي أن رجلاً من العرب رأى بنيه يَثِبون على الخيل وقد تنادَوا بالغارةِ، فذهب يرومُ ذلك مرةً وثانية فلَمْ يَقْدِرْ، فقال: من سرَّه بنوه ساءته نفسُه... وفي ضِدِّ هذا المعنى يقول أكثمُ بنُ صَيفيٍّ حكيمُ العرب:
إنَّ بَنِيَّ صِبْيةٌ صَيْفِيُّونْ ... أفْلَحَ مَن كان له رِبْعِيُّونْ
يقال أصافَ الرجلُ يُصيف إصافةً: إذا لم يُولَدْ له حتّى يُسِنَّ ويَكبر وأولادُه صَيْفيّون، والواحدُ صَيْفيٌّ، والرِّبعِيّون: الذين وُلِدوا في حَداثتِه وأوَّل شبابه، ولمّا حَضرتْ سليمانَ بنَ عبد الملك الوفاةُ تمثّل بهذا البيت لأنّه لم يكنْ في أبنائِه مَنْ يقلِّده العَهْدَ بعده، ومعنى ذلك عندهم: أنّ الأولاد الكبار أفضلُ من الصغارِ لدى الوالدِ، ولاسيّما إذا كَبِر... وهذا على
نقيض قولِ القائل: من سرَّه بَنوهُ ساءته نفسُه، وإن كان لكلٍّ وِجهةٌ هو مولّيها.
وناول عمر بن الخطاب رجلاً شيئاً فقال له: خَدمَك بنوك، فقال عمر: بل أغنانا اللهُ عنهم.
وكان يقال: ابنُك ريحانُك سبعاً، وخادمُك سبعاً ثم عدوٌّ أو صديق... وفي الأثرِ: ريحُ الولدِ من ريحِ الجنَّة...
وكان رسول الله يُقبِّل الحسنَ بن علي رضي الله عنه - وهو حفيد المصطفى - يوماً، فقال الأقرعُ بن حابس: إن لي عشرةً من الأولاد ما قبّلت واحداً منهم، فقال رسول الله: فما أصنع إن كان اللهُ نزعَ الرحمةَ من قلبك!
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ماتَ الرجلُ انقطع عمله، إلا من ثلاث، صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) .
وقالوا: خيرُ ما أعطي الرجلُ بعد الصِّحَّة والأمن والعقل ولدٌ موافقٌ من زوجةٍ موافقةٍ، ومتعةُ العيشِ بينَ الأهلِ والولدِ
وكانتِ العربُ تُسمّي من لا ولدَ له صُنبوراً، والصُّنبور في اللغة: الأبترُ لا عقبَ له ولا أخٌ، فإذا مات انقطع ذكرُه وكان كفار قريشٍ يطلقون على رسول الله: صُنبوراً، فأنزل الله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} شانئك: مُبغضك، والأبتر الذي لا عقب له.
وقال حكيمٌ في ميّت: إن كان له ولدٌ فهو حيٌّ وإن لم يكن له ولدٌ فهو ميِّتٌ.