فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 263611 من 466147

ثم إن الله تبارك وتعالى كما وصى بالوالدين الإحسان وكرر من حقوقهما ما عسى يعقل الأولاد عنه، كذلك للأحكام بين الوالدين والمولودين على ما يقتضيه الأصل الذي سبق وصفه، فمن ذلك أنه نهى عن انتهار الوالدين وأمر بالتواضع والذلة لهما من الرحمة وقيل في الرحمة: أنها صفة مركبة من الحب والجزع، وهذا من الآدميين، فلا يجوز مثل هذا على الله، فأمر الولد أن يحب والديه، وأن يكون قلبه لهما بحيث لا يحتمل أن يصيبهما أذى أو يمسهما سوء بألم من أدنى مكروه يصل إليهما.

فإذا كان من الحب لهما بهذه المنزلة، فذلك هو الرحمة، وهو إذا وجدها في قلبه لهما، لم يكن منه انتهار لهما ولا مفارقة لطاعتهما إلا أن يكونا كافرين، ويأمر الوالد بالكفر، أو يكونا فاسقين، فيدعو الولد إلى الفسق فيحرم عليه أن يطيعهما، لأن الله - عز وجل - أولى به منهما، وحقه أولى وأعظم من حقهما، وهو يأمره بخلاف ما يأمرانه به، فطاعته أولى من طاعتهما، ومن ذلك أنه أبطل القصاص عن الأبوين إذا قتلا أو أحدهما الولد.

ومعنى ذلك أنهما كانا سبب وجود الولد، فإنهما قبله قضى الله تعالى عن الولد حقه، لأن القتل لأجله، فيكون بقاؤه بعدما قتل ولده حراً لكونه سبباً لوجود الولد في الابتداء.

وكذلك إذا قتل ولد والده لم يقتله ولده قصاصاً لهذا المعنى بعينه.

ومن ذلك أنه إذا قذف ولده لم يجلد، لأنه كان سبباً لكل فضيلة من فضائل الأحياء نالها الولد، فجعل ترك الجلد عليه لئلا ينادى به، ولا يألم منه قضاء بحق الولد عنه، فيما كان للولد سبباً لوصوله إليه من نعمة الحياء وغيرهما.

ومن ذلك أن الولد إذا ملك أبويه عتقاً عليه لأنهما كانا سبباً لوجوده، وكل ما تبع الوجود من الفضائل فلم يسلط عليهما بالإسترقاق، لأن حقهما عليه يقتضي أن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

والإسترقاق إستصغار وإستذلال، فاستحال يستذل من أمر بالذلة لهما، ومن ذلك وجوب النفقة لهما عليه عند الحاجة ليكون سبباً لبقائهما عند حاجتهما إلى معونته، كما كانا سبباً لوجوده.

ومن ذلك أن على الابن أن يعف أباه إذا عاد وبصق.

وقدر الابن على إعفائه ليصونه عن الرجم والجلد فلا يناله واحد منهما من قبله، قياساً على أنه لو قتله لم يضل لأجله، ولو قذفه لم يجلد لأجله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت