وقوله: أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ.. { [الإسراء: 23]
العبادة: هي إطاعة آمر في أمره ونهيه ، فتنصاع له تنفيذاً للأمر ، واجتناباً للنهي ، فإنْ ترك لك شيئاً لا أمر فيه ولا نهي فاعلم أنه ترك لك الاختيار ، وأباح لك: تفعل أو لا تفعل.
لذلك ، فالكفار الذين عبدوا الأصنام والذين أتوا بها حجارةً من الصحراء ، وأعملوا فيها المعاول والأدوات لينحتوها ، وتكسرت منهم فعالجوها ، ووقعت فأقاموها ، وهم يرون كم هي مهينة بين أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى الثعلب يبول برأس أحد الأصنام فقال مستنكراً حماقة هؤلاء الذين يعبدونها:أَرَبٌّ يبولُ الثَّعلَبانُ برأْسِهِ لَقدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَليْه الثَّعَالِبُفإذا ما تورطوا في السؤال عن آلهتهم هذه قالوا: إنها لا تضر ولا تنفع ، وما نعبدها إلا ليقربونا إلى الله زُلْفى ، كيف والعبادة طاعة أمر واجتناب نهي. فبأيّ شيء أمرتكم الأصنام؟ وعن أيّ شيء نهتْكُمْ؟! إذن: كلامُكم كذاب في كذب.
وفي قوله تعالى: أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ.. { [الإسراء: 23]
أسلوب يسمونه أسلوب قَصْر ، يفيد قصر العبادة وإثباتها لله وحده ، بحيث لا يشاركه فيها أحد. فلو قالت الآية: وقضى ربك أن تعبدوه.. فلقائل أن يقول: ونعبد غيره لأن باب العطف هنا مفتوح لم يُغْلَق ، كما لو قُلْت: ضربتُ فلاناً وفلاناً وفلاناً.. هكذا باستخدام العطف. إنما لو قلت ، ما ضربن إلا فلاناً فقد أغلقت باب العطف.
إذن: جاء التعبير بأسلوب القصر ليقول: اقصروا العبادة عليه سبحانه ، وانفوها عن غيره.
ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى التكليف والأمر الثاني بعد عبادته: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً..} [الإسراء: 23]
وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة ، قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء: 36]