والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد النزول خفض جناحه ، فصار خفض الجناح كناية عن التواضع وترك الارتفاع ؛ وفي إضافة الجناح إلى الذلّ وجهان: الأوّل: أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: حاتم الجود ، فالأصل فيه: الجناح الذليل ، والثاني: سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذلّ جناحاً ، ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً.
وقرأ الجمهور (الذلّ) بضم الذال من ذلّ يذل ذلاً وذلة ومذلة فهو ذليل.
وقرأ سعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير بكسر الذال ، وروي ذلك عن ابن عباس وعاصم ، من قولهم: دابة ذلول ، بنية الذل ، أي: منقادة سهلة لا صعوبة فيها ، و {من الرحمة} فيه معنى التعليل ، أي: من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم لمن كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس ، ثم كأنه قال له سبحانه: ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ولكن {قُل رَّبّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا} والكاف في محل نصب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي: رحمة مثل تربيتهما لي ، أو مثل رحمتهما لي ، وقيل: ليس المراد رحمة مثل الرحمة ، بل الكاف لاقترانهما في الوجود ، فلتقع هذه كما وقعت تلك.
والتربية: التنمية ، ويجوز أن يكون الكاف للتعليل ، أي: لأجل تربيتهما ، لي كقوله: {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] .
ولقد بالغ سبحانه في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعرّ لها جلود أهل العقوق وتقف عندها شعورهم.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة} قال: من كان يريد بعمله الدنيا ، {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} ذاك به.
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ} الآية ، قال: كل يرزق الله في الدنيا البرّ والفاجر.