ومن أجل هذا الخلاف العقيدى بين الزمخشري وأهل السُّنَّة، نجد الخصومة بينهم حادة عنيفة، كل يتهم خصمه بالزيغ والضلال، ويرميه بأوصاف يسكله بها فِي قرن واحد مع الكفرة الفجرة، وتلك - على ما أعتقد - مبالغة مُسِفَّة فِي الخصومة - ما كان ينبغى لأحد الخصمين أن يخوض فيها على هذا الوجه. وبخاصة بعد ما عُرِف من أن كليهما يهدف إلى تنزيه الله عما لا يليق بكماله. وإليك بعض الحملات التي وجهها كل من الخصمين إلى الآخر، لتلمس بنفسك مبلغ هذه الخصومة وتحكم عليها:
* حملة الزمخشري على أهل السُّنَّة:
هذا .. وإن المتتبع لما فِي الكشَّاف من الجدل المذهبي، ليجد أن الزمخشري قد مزجه فِي الغالب بشيء من المبالغة فِي السخرية والاستهزاء بأهل السُّنَّة، فهو لا يكاد يدع فرصة تمر بدون أن يُحقِّرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم المجبرة، وأخرى يسميهم الحشوية، وثالثة يسميهم المشبهة، وأحياناً يسميهم القدرية، تلك التسمية التي أطلقها أهل السُّنَّة على منكرين القَدَر، فرماهم بها الزمخشري لأنهم يؤمنون بالقَدَر، كما جعل حديث الرسول الذي حكم فيه على القدرية أنهم مجوس هذه الأُمة مُنصَّباً عليهم، وذلك حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى فِي الآية [17] من سورة فصلت: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} :"ولو لم يكن فِي القرآن حُجَّة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم - وكفى به شاهداً - إلا هذه الآية لكفى بها حُجَّة".