أجيب: بأنَّ هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلع الرسالة وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة.
قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}
«فَإِنْ قِيلَ» : خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلِمَ قال تعالى: {وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} وإن فيه مفسدة فلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} في ترك الخروج؟
أجيب: بأن خروجهم فيه مفسدة عظيمة بدليل قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} أي: معكم {مَّا زَادُوكُمْ} بخروجهم {إِلاَّ خَبَالاً} أي: فساداً وشراً بتخذيل المؤمنين وتقدم الكلام على قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} .
تنبيه: لا يصح أن يكون فيه الاستثناء منقطعاً لأنّ الاستثناء المنقطع يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقوله: {مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر ووقع الاستثناء من أعم العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يكون في المؤمنين الخالصين من يطيع المنافقين؟