روى أن الخليفة المقتفي مرض مرضا شديدا فنوى إن هو برئ أن يفعل خيرا ، فلما برئ شغل عما كان نواه ، ثم مرض مرضه الذي مات فيه فتذكر ما نذره في مرضه الأوّل وما فرط منه في ذلك بكى وأنشد:
إذا مرضنا توبنا كلّ صالحة وإن شفينا فمنا الزيغ والزلل
نرضي الإله إذا خفنا ونسخطه إذا أمّنا فما يزكو لنا عمل
قال تعالى"وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً"إلى طلب العلم والجهاد"فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ"راجع الآية 66 المارة في معنى الطّائفة من حيث إطلاقها على الواحد والجماعة والعشرة"لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ"ولا يخرجون جميعهم فيتركون بلادهم وذراريهم وأموالهم ونساءهم تحت الخطر ، فلا يصح لهم ذلك ولا يستقيم ، ولا ينبغي فعله ، بل يخرج أناس للجهاد وطلب العلم ويبقى الآخرون للعمل والحراسة"وَلِيُنْذِرُوا"هؤلاء الخارجون لطلب العلم وتعلم أمر الدّين"قَوْمَهُمْ"وتعلقاتهم وغيرهم الّذين بقوا للعمل والحراسة ويرشدوهم لما تعلموه"إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ"بعد إكمال تحصيلهم ، وليكن قصدهم هذا لا الترؤس عليهم ، ولا أخذ أموالهم أجرا عما يعلمونهم ، ولا التباهي والتفاخر عليهم بما تعلّموه"لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" (122) مناهي اللّه فلا
يقربونها ، ويعرفون أوامره فيفعلونها ، وكلمة لو لا تفيد الحث على ذلك بشدة لما فيها من معنى الأمر.
واعلم أن صدر هذه الآية له وجهان الأوّل ما ذكرناه في تفسيرها باختصاصها في طلب العلم فتفيد الوجوب على كلّ مستعد له من جماعة سلوك العلم لا على الجمع ، لأن العلم باعتباره علما يشمل الأصول والفروع ، يكون طلبه على طريق الكفاية.