و إنما فعل هذا حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم مع هذا وهو راس المنافقين ، مع علمه أنه مات على نفاقه تطييبا لخاطر ابنه عبد اللّه لشدة إخلاصه وصلاحه وصدقه ومحبته لحضرة الرّسول ينبيك عن هذا ما نوهنا به في الآية 8 من سورة المنافقين المارة مما قاله لابنه وما ذكره بحضرة الرّسول ، ولذلك قال حضرة الرّسول على قبره وصلّى عليه قبل النّهي ، وهذا من بعض محاسن أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما رأى المنافقون وقوم عبد اللّه بن سلول ما قام به صلّى اللّه عليه وسلم من مقابلة إساءة عبد اللّه لحضرته بالإحسان حال حياته ، وبالإحسان بعد وفاته أسلم كثير منهم ، وإنما كساه ثوبه بعد موته لأنه كان حينما جيء بالعباس أسيرا يوم بدر كساه عبد اللّه ثوبه ، وقد حفظ له معروفه ذلك وهو أهل المعروف وأولى ممن يقابل السّيئة بالحسنة.
هذا وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زار قبر أمه عام الحديبية قبل النّهي لما لها من حق الأمومة ، وذلك قبل نزول هذه الآية ، لأنها نزلت بعد غزوة تبوك ، فلا يرد عليه مقال ، ومن قال أن زيارته لها بعد النّهي أي بعد نزول هذه الآية فقد أخطأ ، لأن التاريخ يكذبه ، على أنها رحمها اللّه من أهل الفترة ، وأباه كذلك ، والقول الصّحيح أن أهل الفترة غير مؤاخذين ، راجع الآية 15 من سورة الإسراء في ج 1.
ولا مانع يمنع من زيارة قبور الكفار ، لأن القصد من الزيارة التذكر بالآخرة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.