قول هود لقومه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (69) [الأعراف: 69] أي نعمه، واحدها نعمة، وقد اختلف العلماء في أن الله - عز وجل - على الكفار نعمة، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: نعم لهذه الآية وغيرها مما عدد عليهم فيها.
والثاني: لا، لأن ما أعطوه من/ [90 أ/م] متاع الدنيا استدراج لا نعمة، فهو كالعسل المسموم هو آفة لا حلاوة.
ومرجع الخلاف إلى أن النعمة ما هي: إن أريد به مجرد اللذة والتنعيم فعلى الكفار نعم عظيمة، وإن أريد بها [التنعيم مع] سلامة العاقبة فيه، فلا نعمة عليهم بل هي نقم في صورة نعم.
عدم إيمانهم مفهوم من تكذيبهم، وإنما أتى به تأكيدا، والتأكيد من أبواب اللغات في أصول الفقه، وكذا: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى} (79) [طه: 79] {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ} (14) [النساء: 14] / [192/ل] الثاني فيهما مفهوم من الأول، وجئ به تأكيدا.
قول شعيب: {قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ} (89) [الأعراف: 89] لما كان منشؤه في قوم كفار انعقد له سبب موافقتهم فتجوز به عن ملابسة ملتهم فسمى إعراضه عنها بهداية الله - عز وجل - إياه نجاة منها ودخوله فيها لو قدّر عودا إليها.
وقوله: {وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا} [الأعراف: 89] يدل على جواز الكفر على الأنبياء إذا شاءه الله - عز وجل - وإلا لم يكن لاستثنائه معنى، وقد سبق أن عصمتهم إنما هي من وقوع الكفر لا من جوازه.