وتقريره أن هذا يدل على أن ذلك كان مشهورا متقررا عند آدم وحواء حتى جعله إبليس سببا لإغرائهما واستذلالهما، وإلا لما قبلاه منه مسارعين إليه، وأيضا لما أقدما على المخالفة حرصا على رتبة الملائكة دل على ما قلناه؛ لأن العاقل إنما يحصر على ما يعتقده كمالا له، وأيضا [لما قرن كونهما ملكين بكونهما من الخالدين، دل على أن الملك أفضل من البشر] كما أن الخالد أفضل من الزائل.
{فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ} (22) [الأعراف: 22] يحتج به مثبتو الحرف والصوت في كلام الله - عز وجل - أعني نفس تكلمه؛ لأن النداء لا يعقل إلا كذلك، ومثله: {وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى} ونحوه.
وأجاب الآخرون بأنه ناداهما بواسطة [الملك: أو سمى إفهامهما] بكلامه الذاتي نداء بجامع الإفهام.
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) [الأعراف: 26] تضمنت هذه الآية المجاز بمراتب، وذلك لأن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس إنما هو الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس، وصار ذلك كقول الراجز:
الحمد لله العظيم المنان…صار الثريد في رءوس العيدان
سمى السنبل في رءوس العصف الذي تحته ثريدا، وإنما يصير ثريدا بعد أن يحصد، ثم يدرس، ثم يصفى، ثم يطحن، ثم يخبز، ثم يثرد، سمى ابن السيد البطليوسي (1) هذا وأمثاله [مجاز المراتب] ، وهو من غرائب مسائل المجاز.