{قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (12) [الأعراف: 12] تضمن هذا من إبليس مخالفة وعنادا واستكبارا واعتراضا وقدحا في الحكمة وجهلا بالحقائق وغلطا في الفلسفة؛ لأن النار خفيفة طائشة محرقة شريرة، والطين رزين ثابت متواضع، ولا جرم رجع كل منهما إلى أصله، فإبليس مذموم وآدم مرحوم.
وبالجملة فإبليس استعمل الفلسفة؛ فوقع في السفه، ولو أعطى الفلسفة حقها؛ لأعطى الطاعة مستحقها.
{قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ} (13) [الأعراف: 13] الضمير إما للسماء أو للجنة وعلى التقديرين يدل على أن الجنة دار تواضع وأدب لا كبر فيها، وعلى القول بأن الضمير للجنة، وهو الظاهر يقتضي ظاهرا:
أن آدم ومن سجد له وإبليس جميعا كانوا في تلك الحال في الجنة، فما امتنع إبليس من الطاعة على الفور، عوقب بالخروج من الجنة على الفور.
به الجمهور على أن الهادي والمضل والمغوي هو الله - عز وجل - / [85 ب/م] ؛ لأنه أقر إبليس على نسبة الإغواء إليه، ولولا أن/ [182/ل] الأمر كذلك لما أقره بل كان يقول له: ويحك أمعصية وبهتا؛ أتعصيني وتبهتني؟! فلما أقره على ذلك دل على صحته.
والجمهور إذا تمسكوا بهذا قال لهم المعتزلة: أنتم تلاميذ إبليس، تشنيعا عليهم، وليس احتجاج الجمهور بقول إبليس، وإنما هو بإقرار الله - عز وجل - عليه.
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ} (20) [الأعراف: 20] أي وسوس لهما ليعصيا؛ فتبدو سوآتهما، فذكر الغاية البعدى لاستلزامها القربى، إذا كانت أثرا لهما.
{وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ} [الأعراف: 20] أي لئلا تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين. يحتج بهذا من يرى الملائكة أفضل من البشر حتى آدم.