{يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (27) [الأعراف: 27] أضاف الفتنة إلى الشيطان مع قول موسى: {وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ} (155) [الأعراف: 155] وقوله - عز وجل - {وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ} (53) [الأنعام: 53] وتحقيقه ما سبق من أن فتنة/الشيطان بالوسوسة، وفتنة الله - عز وجل - / [86 أ/م] بالتقدير، وخلق الدواعي والصوارف.
{إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} / [183/ل] {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} هذا من جملة الابتلاء والمحنة، وعظيم الفتنة، إذ لو رآهم بنو آدم لاحترزوا منهم كما يحترز بعضهم من بعض، ولكن صاروا كما قيل:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى…فكيف بمن يرمي وليس برامي
والسبب في أنهم يروننا ولا نراهم مادتهم نارية لطيفة، ومادتنا طينية كثيفة، والكثيف
لا يرى اللطيف.
فإن قيل: فنحن نرى النار التي هي مادتهم فما بالنا لا نراهم؟!
قلنا: التخليق يلطف المادة، ألا ترى أن البشر ألطف من الطين الذي هو مادته، وكذلك كل فرع هو ألطف من أصله كالزيت من الزيتون، والعصير من العنب، والدبس من الرطب، ونحو ذلك.