بِضَبُعَيَّ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعِراً حَتَّى إِذا كُنْتُ في سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذا بِأَصْوَاتٍ شَدِيْدَةٍ، قُلْتُ: ما هَذِهِ الأصْواتُ؟ قالُوا: هَذَا عواءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَا بِي فَإِذا أَنا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِيْنَ بِعَراقِيْبِهِمْ مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيْلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالا: الَّذِيْنَ يُفْطِرُوْنَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِم"؛ أي: قبل وقت الإفطار."
146 -ومنها: صوم عيد الفطر، والأضحى، وأيام التشريق.
فإن هذه الأيام إذا وافقت صوم أهل الكتاب لصاموها ولم يبالوا، ولأنها أيام عيد، ومن عادة اليهود أن يصوموا يوم عيدهم كما سيأتي عن السيوطي.
وقد جاء النهي عن صوم هذه الأيام، وقد أجمع العلماء على صيام اليومين الأولين، وأما صيام أيام التشريق فالأكثرون على تحريمه، وهو قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وهو الجديد من قولي الشَّافعي، وهو الأصح لما روى أبو داود من طريق مالك عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فقرَّب إليها طعامًا، فقال عبد الله: كُلْ إني صائم.
فقال عمرو: فهذه الأيام التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلزمنا بإفطارها وينهانا عن صيامها؟
قال مالك رضي الله تعالى عنه: هي أيام التشريق.
وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن نبُيشة الهذلي - وهو بالتصغير رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَيَّامُ التَّشْرِيْقِ أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ".
فإن قلت: فقد روى التِّرمذي وحسنه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [سورة المائدة: 3] وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا.
قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد، في يوم جمعة ويوم عرفة، فسمَّى ابن عباس يوم عرفة عيداً مع أنَّ صومه من السُّنَّة لغير الحاج.