قلت: حد العبادة على ما قال ليس بحد تام؛ لأن للملائكة عبادة وليست عبادتهم سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة والعبادة الحقيقية خلوص النفس عن كل حظ من الحظوظ الدنيوية والأخروية ليعبد الله بالحق لا للحظ لقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
[البينة: 5] .
وثالثها: في خصوصية قوله تعالى: {نَعْبُدُ} أن النفس دنياوية تعبد هواها لقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] ، والروح قربي تعبد القربة والعندية لقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] ، والسر حضرتي تعبد الحق تبارك وتعالى لقوله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه في ملك مقرب ولا نبي مرسل"فلما أنعم الله تعالى على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده، كما قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها إليَّ ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل"فيقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على الصفات جماله وجلاله، ويقرب الرب على مقتضى كرمه وإنعامه كما قال:"من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"بنصفه إلى خلاص عبده من عبودية الأغيار بإخراجه عن ظلمات بعضها فوق بعض من هوى النفس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته وشهود فردانيته. فأشرقت أرض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم، وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى، وجعلوا كلهم واحداً وقالوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] نستوفقك ونطلب المعونة منك على عبادتك على أمورنا كلها.