قال أبو بكر الوراق: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك خلقتنا {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك هديتنا، قلت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المعبود {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المقصود، وأيضاً: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المطلوب {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المحبوب، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك مالك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ لأن ما سواك هالك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على نعمتك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على معرفتك، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك قلت: لنا عبادي، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ لأنك لنا إليك هادي.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ، الهداية على ثلاثة أوجه: هداية العام، وهداية الخاص، وهداية الأخص. أما هداية العام فإنه هدى جميع الحيوانات إلى جلب منافعها ودفع مضارها بقوله: {رَبُّنَا ِالَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ} [البلد: 8 - 10] ، وأما هداية الخاص فهو هداية المؤمنين إلى الجنة لقوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] ، وأما هداية الأخص فهي هداية الحقيقة التي من الله وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] .
فقال الله تعالى: {يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 13] ، بهذه الهداية إلى الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي"وفي قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] ، إشارة إلى هذا المعنى أي كنت ضالاً عني في تيه وجودك فطلبتك بجودي، وجذبتك بفضلي، وهديتك بجذبات عنايتي ونور هدايتي إلي، وجعلتك نوراً وأنزلت إليك نوراً فأهدي بك إلي من أشاء من عبادي، فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات وجود السوى إلى نور الروحاني، ونهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: